اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

م صلاح طه عبيدات يكتب: بين تذكرة رئيسة المكسيك ونبض قلب في عمّان

م صلاح طه عبيدات يكتب: بين تذكرة رئيسة المكسيك ونبض قلب في عمّان
نبأ الأردن -
ثمة لحظاتٌ عابرة في ظاهرها، لكنها قادرة على أن تكشف المعنى العميق للعلاقة بين القيادة والشعب أكثر مما تفعل آلاف الخطب والبيانات الرسمية.
حين تنازلت رئيسة المكسيك عن تذكرة افتتاح كأس العالم لصالح فتاة شابة من أبناء شعبها، لم يكن الحدث مجرد تصرف شخصي أو لفتة إنسانية عابرة، بل كان إعلاناً فلسفياً صامتاً عن مفهوم السلطة؛ فالسلطة الحقيقية لا تبدأ من المقصورة الرسمية، بل من القدرة على رؤية الناس وإعطائهم مساحة للحلم.
وفي الجانب الآخر من العالم، وبين مدرجات مباراة المنتخب الوطني الأردني أمام النمسا، كان مشهد آخر يروي الفكرة ذاتها بلغة مختلفة. هناك لم يتجسد المعنى في التخلي عن مقعد، بل في الحضور نفسه. حضور سمو ولي العهد الأمير الحسين بن عبدالله الثاني بين الجماهير، متفاعلاً مع كل هجمة، ومنفعلاً مع كل فرصة، ومشاركاً الأردنيين لحظةً وطنية تختلط فيها الرياضة بالهوية والانتماء.
وأعترف أنني في تلك اللحظات كنت أراقب ملامح سمو الأمير أكثر مما أراقب الكرة نفسها.
كنت أتخيل أنني أسمع دقات قلبه من تغير تعابير وجهه كلما اقتربت الكرة من مرمى الخصم. لم أكن أرى مسؤولاً يؤدي واجباً بروتوكولياً، بل أردنياً يشبه ملايين الأردنيين الذين جلسوا أمام الشاشات أو في المدرجات وهم يحملون القلق نفسه، والأمل نفسه، والحلم نفسه.
وهنا تحديداً تتجلى الفلسفة العميقة للرياضة.
فالمباراة ليست مجرد تنافس بين فريقين، بل لحظة نادرة تتجرد فيها المجتمعات من طبقاتها الاجتماعية ومواقعها الوظيفية ومكانتها السياسية. الجميع يصبحون متساوين أمام أمنية واحدة: أن تدخل الكرة الشباك.
في تلك اللحظة لا يعود هناك أمير ومواطن، ولا وزير وعامل، ولا غني وفقير. هناك وطن كامل ينبض بقلب واحد.
حين جاء الهدف، لم أشعر أن لاعباً سجل في مرمى منافسه، بل شعرت أن الأردن كله ارتفع عن الأرض للحظة.
هنا الأردن بأكمله...
وطن يحارب في الملعب.
وطن ينبض بالحماس والفخار.
وطن يتوشح الشماغ الأحمر كما لو أنه راية من ذاكرة التاريخ.
وطن يهتف للنشامى ويرفع الأكف بالدعاء، بعين الهيبة المشفوعة بالرجاء.
هيبة شعب يعرف قيمة وطنه.
ورجاء أمة تؤمن أن الإرادة قادرة على تحويل الحلم إلى حقيقة.
ولعل أجمل ما في هذه المشاهد أنها تعيد تعريف الوطنية بعيداً عن الشعارات الجاهزة. فالوطنية ليست كلمات تُقال في المناسبات، بل شعور جماعي بالانتماء يظهر عندما يفرح الناس معاً ويحزنون معاً ويحلمون معاً.
ولهذا بدت صورة رئيسة المكسيك وهي تمنح تذكرتها لشابة بسيطة، وصورة سمو ولي العهد وهو يتفاعل مع النشامى من المدرجات، صورتين مختلفتين شكلاً، لكنهما تنبعان من الفكرة نفسها: الاقتراب من الناس.
فالقيادة ليست ارتفاعاً فوق الجماهير، بل قدرة على الإصغاء إلى نبضها.
وليست امتيازاً يمنح صاحبه حق الجلوس في الصف الأول، بل مسؤولية تجعله يشعر بما يشعر به أبناء وطنه.
وفي عالم تتسع فيه المسافات بين الشعوب والنخب، تكتسب هذه الصور الرمزية قيمة استثنائية. لأنها تذكرنا بأن قوة الأوطان لا تُبنى فقط بالمؤسسات والقوانين والمشاريع الكبرى، بل أيضاً باللحظات الإنسانية التي يشعر فيها المواطن أن صوته مسموع، وأن فرحه مفهوم، وأن حلمه جزء من الحلم الوطني الأكبر.
لقد كانت المباراة في ظاهرها تسعين دقيقة من كرة القدم.
لكنها في حقيقتها كانت درساً في معنى الوطن.
وكانت المدرجات مرآةً رأينا فيها أنفسنا جميعاً.
ورأينا الأردن كما نحب أن يكون:
قلباً واحداً...
ينبض باسم الأردن.
تابعوا نبأ الأردن على Google News
تصميم و تطوير Vertex Web Solutions