اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

سامر حدادين يكتب : عن النقاش حول مشروع القانون المتعلق بتعديل نظام الميراث للمسيحيين في الأردن

سامر حدادين يكتب : عن النقاش حول مشروع القانون المتعلق بتعديل نظام الميراث للمسيحيين في الأردن
نبأ الأردن -
أثار مشروع القانون المتعلق بتعديل نظام الميراث للمسيحيين في الأردن نقاشاً واسعاً حول حقوق المرأة والعدالة داخل الأسرة الأردنية. إلا أن هذا النقاش يبدو في كثير من الأحيان وكأنه يدور حول سؤال خاطئ. فالمسألة ليست ما إذا كانت المرأة المسيحية أو المسلمة تحصل على حصة أكبر أو أقل من التركة، وإنما ما إذا كان التشريع الأردني يتجه نحو تحقيق العدالة لجميع المواطنين والمواطنات دون أي تمييز ضمن إطار قانوني موحد ومنسجم مع تطور المجتمع والدولة.

فإذا كان الهدف المعلن من المشروع هو تعزيز حقوق المرأة، فإن أول ما يلفت الانتباه هو أن هذه الحقوق لا ينبغي أن تكون مرتبطة بالدين أو الطائفة. فالمواطنة هي أساس الحقوق والواجبات في الدولة الحديثة، ومن غير المنطقي أن تتمتع امرأة بحماية قانونية معينة و تحرم أخرى بسبب انتماء هذه أو تلك الديني.

لقد شهد الأردن خلال العقود الماضية تطوراً ملحوظاً في مختلف التشريعات الناظمة للحياة العامة، وكان الاتجاه العام دائماً نحو توحيد القواعد القانونية وتقليص الفوارق بين المواطنين. لذلك فإن إنشاء أو تكريس منظومات قانونية مختلفة في قضية حساسة كالإرث لا يبدو منسجماً مع هذا المسار.

وفي الوقت ذاته، فإن تصوير المشكلة على أنها ناتجة حصراً عن النصوص القانونية الحالية يتجاهل جانباً مهماً من الواقع الاجتماعي الأردني. فحالات حرمان النساء من الميراث أو الضغط عليهن للتنازل عن حقوقهن ليست حكراً على المسلمين أو المسيحيين، بل هي ظاهرة اجتماعية عابرة للطوائف والأديان. وكثيراً ما تكون الأعراف والتقاليد السائدة أقوى أثراً من النصوص القانونية نفسها، بحيث تتمكن من إفراغ الحقوق المقررة قانوناً من مضمونها العملي.

ومن هنا فإن أي إصلاح حقيقي ينبغي أن ينطلق من معالجة جوهر المشكلة لا مظاهرها فقط . و أعتقد أن أي حل لهذه المشكلة يجب أن يراعى أربعة مبادئ رئيسية:

أولاً: إعطاء الأولوية للأقارب الأقرب درجة

من المبادئ التي تستحق الدراسة أن تكون الأولوية في الإرث للأشخاص الأقرب صلة بالمورث. فتحجب الإبنة أو الزوجة أو الأخت من هو دونها في درجة القرابة للمتوفي. و إذا قال قائل أن في هذا مخالفة لما درج عليه تفسير آيات الميراث في القرآن الكريم رددنا عليه و دون الحاجة للإطالة بالشرح أن ارجع لفقه الفاروق عُمر رضي الله عنه عندما تعامل مع النصوص بروح الإسلام، و أصحاب الاختصاص في مجالات القانون و الشريعة يفهمون ما أريد قوله.

ثانياً: شمول الإصلاح لجميع النساء دون تمييز

إذا كان الهدف هو تعزيز حقوق المرأة، فإن أي إصلاح ينبغي أن يشمل جميع النساء الأردنيات بغض النظر عن الدين أو الطائفة. فحقوق المرأة لا يجوز أن تتحول إلى امتيازات فئوية أو طائفية، لأن ذلك يخلق تفاوتاً بين المواطنات ويضعف مبدأ المساواة أمام القانون.

إن الإصلاح الحقيقي هو الذي ينطلق من فكرة أن المرأة الأردنية تستحق الحماية القانونية ذاتها أياً كان انتماؤها الديني، وأن العدالة لا تتجزأ بين فئة وأخرى.

ثالثاً: مكافحة التحايل القانوني الذي يؤدي إلى حرمان النساء من الإرث

تثبت التجربة العملية أن كثيراً من حالات حرمان النساء من الإرث لا تنتج عن قواعد توزيع التركة بعد الوفاة، بل عن إجراءات تسبق الوفاة، حيث يلجأ بعض الآباء إلى نقل ملكية الأراضي أو العقارات أو الأموال إلى الأبناء الذكور دون الإناث، بما يؤدي عملياً إلى إخراج تلك الأموال من التركة قبل نشوء الحقوق الإرثية.

ولذلك فإن أي تشريع يدّعي حماية حقوق المرأة سيكون ناقصاً إذا لم يتضمن أدوات فعالة لمواجهة هذا النوع من التحايل، سواء من خلال تعزيز الرقابة القضائية أو منح المتضررين وسائل قانونية للطعن في التصرفات التي يثبت أنها تمت بقصد حرمان بعض الورثة من حقوقهم المشروعة.

رابعاً: معالجة الثقافة الاجتماعية التي تنتج التمييز

مهما بلغت جودة النصوص القانونية، فإنها لن تحقق أهدافها إذا بقيت الأعراف الاجتماعية تشجع النساء على التنازل عن حقوقهن أو تنظر إلى المطالبة بالإرث باعتبارها خروجاً على التقاليد العائلية.

ولهذا فإن الإصلاح القانوني يجب أن يترافق مع جهود وطنية للتوعية القانونية والاجتماعية، تشارك فيها مؤسسات الدولة ومؤسسات المجتمع المدني والهيئات الدينية ووسائل الإعلام. فتمكين المرأة من الحصول على حقها لا يتحقق فقط عبر النصوص، وإنما أيضاً عبر بناء ثقافة مجتمعية تحترم هذا الحق وتعتبره جزءاً طبيعياً من العدالة داخل الأسرة.

و أختم بأن الطريق إلى الإصلاح لا يكمن في إنشاء قواعد مختلفة للمواطنين بحسب انتماءاتهم الدينية، بل في تطوير تشريعات أكثر عدالة وإنصافاً، تقوم على حماية الأقارب الأقرب درجة، وشمول جميع النساء بالحماية القانونية ذاتها، ومواجهة التحايل على الحقوق الإرثية، والعمل على تغيير الثقافة الاجتماعية التي ما زالت تحول دون تمتع كثير من النساء بحقوقهن كاملة.

فهذا هو الإصلاح الذي يعزز العدالة، ويحترم المواطنة، ويخدم المجتمع.
تابعوا نبأ الأردن على Google News
تصميم و تطوير Vertex Web Solutions