البراري :- الحرب على ايران انتهت بتعادل استراتيجي.. واسرائيل الخاسر الاكبر
نبأ الأردن -
"المشهد العربي بعد الحرب على ايران" حلقة نقاشية ينظمها حماية الصحفيين
* الاردن نجح في البقاء خارج دائرة الصراع وحمى امنه الوطني.
* الاردن امام مرحلة تموضع استراتيجي لمواجهة تحديات التهجير.
* دول الخليج تراجع حساباتها الامنية بعد الحرب على الايران.
* اوروبا بين الخاسرين والصين وروسيا من المستفيدين من الحرب.
* ايران لم تنتصر لكنها حافظت على موقعها في معادلة الردع الاقليمية.
* ايران لن تتخلى عن عقيدة الردع المتقدم .. وعلاقة حماس بطهران ليست تبعية وانما مصالح متبادلة.
اعتبر أستاذ العلاقات الدولية الدكتور حسن البراري أن الحرب الأخيرة على إيران لم تسفر عن منتصر أو مهزوم بصورة حاسمة، بل أفضت إلى ما يمكن وصفه بـ”التعادل الاستراتيجي”، في وقت كشفت فيه حدود القوة العسكرية الإسرائيلية والأمريكية، وأعادت رسم الكثير من معادلات الأمن والتحالفات في الشرق الأوسط.
جاء ذلك خلال جلسة نقاشية نظمها المنتدى الإعلامي التابع لمركز حماية وحرية الصحفيين بعنوان "المشهد العربي بعد الحرب على إيران”، وأدارها مؤسس المركز ورئيسه نضال منصور، بحضور صحفيين وصحفيات وخبراء وقادة مجتمع مدني.
وقال البراري إن من المبكر إصدار أحكام نهائية بشأن نتائج الحرب، نظراً لأن تداعياتها السياسية والاستراتيجية لم تتبلور بالكامل بعد، موضحاً أن الإجابة عن سؤال "من انتصر ومن خسر؟" تختلف باختلاف المعيار المستخدم في التقييم.
وأوضح أن إيران وأنصارها يرون أن صمود النظام الإيراني ومنع الولايات المتحدة وإسرائيل من تحقيق أهدافهما المعلنة يمثلان انتصارًا ، فيما تنظر واشنطن وتل أبيب إلى حجم الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية والقدرات العسكرية الإيرانية باعتباره نجاحاً استراتيجياً.
إلا أن البراري يعتقد أن القراءة الأكثر حياداً تشير إلى تعادل استراتيجي، حيث تمكنت الولايات المتحدة وإسرائيل من إلحاق أضرار كبيرة بإيران، فيما نجحت طهران في إظهار أن الردع الإسرائيلي ليس مطلقاً، وأن الهيمنة الأمريكية في المنطقة ليست بالحسم الذي كان يُعتقد سابقاً.
وفي معرض تقييمه لتداعيات الحرب على الأردن، أكد البراري أن المملكة اتخذت قراراً استراتيجياً صائباً بعدم السماح باستخدام أجوائها أو انتهاك سيادتها من أي طرف من أطراف الحرب، انطلاقاً من أولوية حماية الأمن الوطني، والحفاظ على استقلالية القرار السيادي الأردني.
وأشار إلى أن أهمية هذا الموقف تتضاعف في ضوء محاولات إيرانية سابقة لجر الأردن إلى دائرة الصراع عبر الصواريخ والطائرات المسيّرة، ضمن استراتيجية تقوم على توسيع نطاق المواجهة، وتوزيع كلفها على دول الإقليم، مما جعل حماية المجال الجوي الأردني تعبيراً عن رؤية استراتيجية ترفض تحويل المملكة إلى ساحة أو ممر لصراعات الآخرين.
وبين البراري أن التحولات الجيوسياسية التي أفرزتها الحرب، وما رافقها من سيولة متزايدة في التحالفات الإقليمية والدولية، تفرض على الأردن إعادة تموضعه الاستراتيجي بما يعزز قدرته على مواجهة التهديدات المستقبلية، وفي مقدمتها مخاطر التهجير وإعادة تشكيل الخريطة الديمغرافية في المنطقة.
وأضاف أن إسرائيل ما تزال تنظر إلى التحدي الديمغرافي باعتباره معضلة استراتيجية طويلة الأمد، الأمر الذي يفرض على الأردن توسيع شبكة تحالفاته وتطوير أدواته السياسية والأمنية والدبلوماسية لحماية مصالحه الوطنية، ومنع أي محاولات لفرض حلول إقليمية يكون الأردن من بين الأطراف التي تتحمل كلفتها.
وأكد أن الأولوية الأردنية خلال المرحلة المقبلة يجب أن تبقى متمثلة في صون الدولة الوطنية، وحماية السيادة وتعزيز القدرة على المناورة الاستراتيجية، مشيراً إلى أن نجاح الأردن لن يقاس فقط بقدرته على تجنب تداعيات الأزمات الراهنة، بل بقدرته على استباق التحولات المقبلة وبناء موقع إقليمي فاعل يحمي مصالحه العليا ويحول دون فرض وقائع سياسية أو ديمغرافية تمس أمنه الوطني واستقراره على المدى البعيد.
وفي قراءته لموازين الربح والخسارة في الحرب على ايران، اعتبر البراري أن إسرائيل ورئيس حكومتها بنيامين نتنياهو كانا الخاسر الاستراتيجي الأكبر في هذه المواجهة، رغم ما تمتلكه إسرائيل من تفوق عسكري وتكنولوجي واستخباراتي.
وقال إن الحرب كشفت حدود القوة الإسرائيلية، وأظهرت أن الردع الإسرائيلي لم يعد كما كان يُقدَّم سابقاً، كما أنها هزّت قناعة بعض دول الخليج بقدرة إسرائيل على توفير مظلة أمنية فعالة في مواجهة إيران.
وأضاف أن المشاريع الإقليمية التي كانت تقوم على دمج إسرائيل ضمن منظومة أمنية شرق أوسطية تعرضت لاختبار صعب، ما يمثل خسارة استراتيجية لنتنياهو الذي سعى إلى تقديم إسرائيل باعتبارها القوة القادرة على إعادة تشكيل المنطقة، وفرض معادلاتها الأمنية.
وفي ما يتعلق بدول الخليج، أوضح البراري أن الحرب أثارت نقاشاً متزايداً داخل الأوساط السياسية والاستراتيجية الخليجية بشأن مستقبل العلاقة الأمنية مع الولايات المتحدة، إذ يرى بعضهم أن الوجود العسكري الأمريكي جعل دولاً خليجية أهدافاً مباشرة خلال الأزمة، بينما يعتقد آخرون أن هذا الوجود حال دون تعرضها لأضرار أكبر.
وأشار إلى أن هذا الجدل يعكس اتجاهاً متنامياً نحو البحث عن ترتيبات أمنية أكثر تنوعاً، وعدم الاعتماد الكامل على الولايات المتحدة، في ظل تباين خليجي حول الدور الذي يمكن أن تلعبه إسرائيل في أي منظومة أمنية إقليمية مستقبلية.
وعن المشهد السياسي الإسرائيلي بعد الحرب، توقع البراري أن تسرّع نتائج الحرب من تراجع مكانة نتنياهو السياسية، موضحاً أن الانقسام داخل إسرائيل بات يتمحور بصورة متزايدة حول الموقف من نتنياهو وسياساته، في ظل تصاعد الانتقادات لأداء الحكومة والحديث عن إخفاقات استراتيجية رغم النجاحات العسكرية التكتيكية.
وأشار إلى تحولات متزايدة داخل الولايات المتحدة نفسها، ولا سيما بين الأجيال الشابة، حيث أصبحت الانتقادات الموجهة لإسرائيل أكثر حضوراً في الجامعات ووسائل الإعلام، فيما بدأ بعض الباحثين والاستراتيجيين الأمريكيين بطرح تساؤلات حول ما إذا كانت إسرائيل تتحول من أصل استراتيجي إلى عبء استراتيجي على الولايات المتحدة في بعض الملفات.
وعن مستقبل العلاقة بين إيران وحماس، استبعد البراري أن تتخلى طهران عن عقيدة "الدفاع المتقدم" التي تشكل ركناً أساسياً في استراتيجيتها الأمنية، مؤكداً أن العلاقة بين إيران وحماس تقوم على المصالح المتبادلة أكثر من كونها علاقة تبعية كاملة.
وأضاف أن إيران لا تنظر إلى الفصائل الفلسطينية باعتبارها أدوات تتحرك نيابة عنها، بل كجزء من منظومة ردع إقليمية أوسع، فيما تستفيد حماس من الدعم المالي والعسكري الذي يعزز قدرتها على الصمود والمواجهة.
ورجّح أن تستمر إيران في دعم حلفائها سياسياً وإعلامياً، إلا أن حجم الدعم المالي والعسكري في المستقبل سيبقى مرتبطاً بقدرتها على تجاوز آثار الحرب وتحسين أوضاعها الاقتصادية ونتائج أي تفاهمات محتملة مع الولايات المتحدة.
وشدد البراري على أن الحرب أعادت الاعتبار لأهمية الجغرافيا السياسية والممرات الاستراتيجية وخطوط الطاقة والتجارة الدولية، مؤكداً أن المنطقة تتجه نحو توازنات أكثر تعقيداً لا تكون فيها إيران مهزومة بالكامل، ولا إسرائيل القوة المهيمنة الوحيدة، في ظل تحالفات أصبحت أكثر مرونة وأقل ثباتاً من السابق.
واعتبر أن أوروبا كانت من أبرز الخاسرين جراء الأزمة بسبب تأثرها بأسواق الطاقة ومحدودية قدرتها على التأثير في مسار الأحداث، في حين استفادت كل من الصين وروسيا من التطورات استراتيجياً دون الانخراط المباشر في الصراع.
وختم البراري حديثه في المنتدى الاعلامي بالتأكيد أن الحرب انتهت عسكرياً، لكن تداعياتها السياسية والاستراتيجية ما تزال في بدايتها، وأن مستقبل المنطقة سيتحدد إلى حد كبير وفق طبيعة التفاهمات التي ستنشأ بين الولايات المتحدة وإيران خلال المرحلة المقبلة.
ويُعد المنتدى الإعلامي، الذي أطلقه مركز حماية وحرية الصحفيين عام 2000، منصة حوارية تهدف إلى تعزيز الحوار بين صانعي القرار والصحفيين، وضمان تدفق المعلومات، وإتاحة نقاشات حرة ومستقلة حول القضايا العامة، والإجابة عن الأسئلة الإشكالية التي تشغل الرأي العام، بما يسهم في توسيع المشاركة المجتمعية وتعزيز الحوار العام.
ويعتبر مركز حماية وحرية الصحفيين مؤسسة مجتمع مدني تعمل على تعزيز حرية الإعلام والدفاع عن حقوق الصحفيين، والمساهمة في التطوير المهني.


























