اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

عبدالله بني عيسى يكتب : عن "الطيبات"

عبدالله بني عيسى يكتب :  عن الطيبات
نبأ الأردن -
بداية أنا لست طبيباً، لذلك لا أستطيع أن أجزم بصحة أو خطأ ما يعرف بـ"نظام الطيبات" الذي طرحه الطبيب المصري ضياء الدين العوضي. ولا أملك الكفاءة العلمية لتقييم تفاصيله الطبية أو الغذائية. لكنني أملك شيئاً آخر أظن أنه لا يقل أهمية: منهجاً في التفكير يقوم على احترام الدليل، وعلى فهم الكيفية التي تتكون بها المعرفة العلمية.
هذا المنهج يدفعني إلى طرح سؤال يبدو بسيطاً، لكنه في الحقيقة جوهر القضية كلها: كيف يمكن لإنسان واحد أن يأتي بفكرة تنسف مئات السنين من البحث العلمي، فأصدقه هو، وأكذب كل ذلك التاريخ؟
ليس المقصود هنا تقديس المؤسسات العلمية، ولا اعتبارها معصومة من الخطأ. فالعلم نفسه يقوم على مراجعة أخطائه باستمرار. لكن الفرق كبير بين مراجعة العلم من داخل العلم، وبين هدمه من خارجه.
لو جاء شخص اليوم ليقول إن الجاذبية غير موجودة، أو إن الجراثيم لا تسبب الأمراض، أو إن جميع ما تعلمناه عن السكري والسرطان وأمراض القلب خاطئ، فإن أول ما يطلبه المجتمع العلمي منه ليس الإيمان، وإنما الدليل. وليس أي دليل.
بل دليل استثنائي؛ لأن الادعاء استثنائي أيضاً. فكلما كان الادعاء كبيراً، كان عبء الإثبات أكبر.
لقد أمضى آلاف العلماء والأطباء والباحثين عشرات السنين في المختبرات، ونشرت ملايين الأوراق العلمية، وأجريت مئات آلاف التجارب السريرية، وصرفت الحكومات والجامعات ومراكز الأبحاث والشركات تريليونات الدولارات للوصول إلى ما نعرفه اليوم عن الأمراض والعلاج.
هل يعني ذلك أن هذه المنظومة معصومة؟ قطعاً لا. لقد أخطأت كثيراً، وعدلت كثيراً من توصياتها، وسحبت أدوية من الأسواق، وغيرت بروتوكولات علاجية، واعترفت بأخطاء عديدة. لكن هذه الأخطاء نفسها لم تُكتشف عبر فيديو على وسائل التواصل، وإنما عبر أبحاث جديدة خضعت للتحكيم العلمي والتكرار والمراجعة والنقد.
وهنا أصل إلى النقطة التي تستوقفني في حالة "نظام الطيبات"، الذي أصبح قضية شخصية عند البعض يدافعون عنه دفاعاً مستميتاً. فبحسب ما هو متاح للعامة، فإن أفكاره لم تُعرض في إطار بحث علمي منشور، ولم تقدم في سلسلة من الدراسات المحكمة، ولم تدخل في نقاش أكاديمي منظم يسمح للمتخصصين بفحصها وإعادة اختبارها. وإنما انتشرت أساساً عبر مقاطع فيديو ومحاضرات، وهو ما يجعل تقييمها علمياً أكثر صعوبة.
قد يكون الرجل مصيباً في بعض ما قال. وقد يكون مخطئاً في بعضه. لكن المشكلة أن آلاف الناس منحوه يقيناً مطلقاً، وكأن مجرد مخالفته للسائد دليل على صحة ما يقول. وهذه مغالطة شائعة. فليس كل رأي مخالف صحيحاً، كما أن الرأي السائد ليس صحيحاً لمجرد أنه انتشر بشكل غير مسبوق. المعيار الوحيد هو الدليل.
 وأظن أن جانباً من هذا الانتشار يعود إلى طبيعة النفس البشرية نفسها. فنحن نحب الوعود الكبيرة. نحب أن يخبرنا أحد بأن الإنسان خُلق ليعيش بلا أمراض، وأن الحل بسيط، وأن الطب الحديث أخطأ الطريق، وأن الشفاء الكامل ممكن إذا اتبعنا وصفة معينة. هذه الأفكار تمنح أملاً هائلاً، ولذلك تنتشر بسرعة هائلة. 
في المقابل يبرز التساؤل المشروع: إذا كانت شركات الأدوية - كما يقال - لا تنتج إلا ما يزيد أرباحها، فكيف نفسر الارتفاع الكبير في متوسط أعمار البشر خلال القرن الماضي؟ وكيف نفسر اختفاء أو انحسار أمراض كانت تحصد الملايين بفضل اللقاحات والمضادات الحيوية وعلاجات ضغط الدم والسكري وأمراض القلب وزراعة الأعضاء وعلاج سرطانات كثيرة؟ وكيف نفسر أن وفيات الأطفال انخفضت إلى مستويات غير مسبوقة في التاريخ؟ 
هل توجد مصالح اقتصادية في صناعة الدواء؟ بالتأكيد. وهل توجد تجاوزات وأخطاء أحياناً؟ يوجد بلا شك. لكن وجود المصالح لا يعني أن كل ما تنتجه هذه المنظومة زائف، كما أن وجود أخطاء لا يعني أن الطب الحديث كله مؤامرة.
أخيراً، هناك مفارقة يصعب تجاهلها. فالطبيب الذي بشر بإمكان الوصول إلى حياة خالية من الأمراض تقريباً، رحل - رحمه الله - في الخامسة والأربعين من عمره.
ولا أذكر هذه الحقيقة شماتة، ولا لأنها دليل علمي على خطأ أفكاره؛ فالأطباء، مهما بلغت معرفتهم، ليسوا محصنين ضد المرض أو الموت. لكنني أذكرها لأن بعض أتباعه يقدمون أفكاره بوصفها طريقاً مضموناً إلى العمر المديد والصحة الكاملة، بينما الحياة نفسها تذكرنا بأن الجسد البشري أعقد بكثير من أن تختصره نظرية واحدة.
أنا لا أرفض أي فكرة لأنها جديدة. ولا أقبل أي فكرة أيضاً لمجرد أنها جديدة. أرفضها أو أقبلها بقدر ما تحمل من دليل. فالعلم لا يطلب منا أن نؤمن بالأشخاص، مهما كانت كاريزما أصحابها، وإنما يطلب منا أن نؤمن بالأدلة.
وفي زمن أصبح فيه كل هاتف قادراً على صناعة مُبشرٍ جديد أو خبير جديد أو خارق جديد، فإن أفضل ما يمكن أن نقدمه لأنفسنا ليس تصديق كل ما يخالف السائد بسرعة، وإنما الانضباط أمام الدليل.
عبدالله بني عيسى
تابعوا نبأ الأردن على Google News
تصميم و تطوير Vertex Web Solutions