المحامي محمد ياسر العطار يكتب: السيارة المرهونة خارج دائرة الترخيص.. حين يتحول الحلم إلى خسارة قانونية
نبأ الأردن -
في زمن المعاملات اليومية، يعتقد كثيرون أن حيازة الشيء تعني امتلاكه، وأن توقيع ورقة عرفية أو اتفاق جانبي كفيل بمنحهم حقاً ثابتاً لا يمكن المساس به، حيث أن الواقع القانوني يروي قصة مختلفة تماماً، خاصة عندما يتعلق الأمر بالمركبات المرهونة التي يتم بيعها خارج دائرة الترخيص.
فهنا لا يقف المواطن أمام صفقة رابحة أو فرصة استثمارية مغرية، بل قد يجد نفسه أمام واحدة من أكثر المفاجآت القانونية والمالية قسوة، حين يكتشف أن المركبة التي دفع ثمنها من مدخراته ليست ملكاً له قانوناً، وأنها قد تكون عرضة للحجز أو البيع بالمزاد العلني وفاءً لحقوق الدائنين.
لقد أدرك المشرّع الأردني منذ وقت مبكر أن المركبات ليست مجرد أموال منقولة يمكن تداولها بالتراضي أو الاتفاقات الجانبية، وإنما أموال ذات طبيعة خاصة تستوجب رقابة قانونية دقيقة تحفظ الحقوق وتمنع التلاعب والنزاعات، لذلك ربط انتقال ملكيتها بإجراءات رسمية إلزامية داخل دائرة ترخيص السواقين والمركبات، وجعل هذه الإجراءات ركناً أساسياً لا ينعقد التصرف القانوني إلا به.
ومن هنا فإن أي محاولة للالتفاف على هذه الإجراءات بدافع السرعة أو توفير الرسوم أو الثقة الشخصية بين الأطراف، لا تؤدي إلى اختصار الطريق كما يعتقد البعض، بل قد تفتح أبواباً واسعة للخسارة والنزاعات القضائية.
خلال السنوات الأخيرة، برزت ظاهرة بيع المركبات بموجب عقود خارجية أو كمبيالات أو إيصالات أمانة بعيداً عن الجهات الرسمية، وأصبحت أكثر خطورة عندما تكون المركبة مرهونة لصالح بنك أو شركة تمويل، وفي مثل هذه الحالات، يظن المشتري أنه أصبح مالكاً للمركبة بمجرد تسليم الثمن واستلام المفاتيح، بينما الحقيقة القانونية تؤكد أن الملكية لم تنتقل إليه أصلاً، لأن التصرف تم خارج الإطار الذي حدده القانون، وهنا تتجلى خطورة الخلط بين الحيازة والملكية؛ فالحيازة قد تنتقل خلال دقائق، أما الملكية القانونية فلا تنتقل إلا عبر القنوات الرسمية المعتمدة.
تبدأ المأساة الحقيقية عندما يتعثر مالك المركبة الأصلي في سداد التزاماته المالية، أو تباشر الجهة المرتهنة إجراءاتها القانونية لتحصيل الدين، حيث عندها يكتشف المشتري أن المركبة التي بحوزته ما تزال مثقلة بالرهن أو بقيود قانونية تمنح الدائن حق تتبعها واستردادها أينما وجدت، بصرف النظر عن الشخص الذي آلت إليه حيازتها.
وفي هذه اللحظة، لا تشفع العقود الجانبية، ولا الوعود الشفهية، ولا حتى حسن النية، لأن الحقوق المقيدة رسمياً تتقدم على جميع الاتفاقات غير المسجلة، فتُحجز المركبة أو تُباع بالمزاد العلني وفقاً للقانون، بينما يجد المشتري نفسه أمام معركة قضائية جديدة لاسترداد أمواله من البائع، وهي معركة قد تستغرق سنوات من الوقت والجهد والنفقات.
لا تتوقف خطورة هذه الممارسات عند حدود النزاع الفردي بين البائع والمشتري، بل تمتد آثارها إلى السوق بأكمله، فكل عملية بيع غير قانونية تضعف الثقة بين المتعاملين، وتخلق بيئة خصبة للنزاعات والاحتيال، وتزيد من حجم القضايا المنظورة أمام المحاكم، كما تؤثر سلباً على استقرار السوق وحركة الاستثمار فيه.
إن الأسواق السليمة لا تُبنى على الاتفاقات الخفية، بل على الشفافية والوضوح وحماية الحقوق من خلال الأطر القانونية الرسمية.
ينظر البعض إلى الإجراءات الرسمية باعتبارها عبئاً إدارياً يمكن تجاوزه، بينما الحقيقة أن هذه الإجراءات وُجدت لحماية المواطنين قبل أي شيء آخر، فدائرة ترخيص السواقين والمركبات لا تمثل مجرد جهة تسجيل، بل تشكل منظومة قانونية وأمنية تحفظ الملكيات، وتكشف القيود والرهن والحجوزات، وتمنع انتقال المركبات المثقلة بالالتزامات إلى أشخاص يجهلون أوضاعها القانونية، وبالتالي فإن الرسوم والإجراءات الرسمية ليست كلفة إضافية، بل هي ثمن الحماية القانونية والأمان المالي.
لقد استقر الاجتهاد القضائي الأردني على مبدأ واضح لا يحتمل التأويل، مفاده أن بيع المركبة خارج دائرة الترخيص لا يرتب أثراً قانونياً ولا ينشئ حقاً يمكن الاحتجاج به في مواجهة القيود الرسمية، وهذا التوجه القضائي يعكس حرص القضاء على حماية الاستقرار الاقتصادي وصيانة المعاملات القانونية ومنع التحايل على النصوص الآمرة التي وضعها المشرّع للمصلحة العامة.
إن شراء مركبة لا يبدأ بتسليم الثمن، بل يبدأ بالتحقق من وضعها القانوني، لذلك، فإن الخطوة الأكثر أماناً لأي مشتري تتمثل في فحص رخصة المركبة والتأكد من خلوها من الرهون والحجوزات والقيود القضائية قبل دفع أي مبلغ مالي، وعدم الاكتفاء بالوعود أو الأوراق العرفية مهما بلغت درجة الثقة بين الأطراف، فالملكية الحقيقية لا تُثبت بالمفاتيح التي تحملها في يدك، وإنما بالحق القانوني المسجل باسمك في السجلات الرسمية.
وفي النهاية، تبقى القاعدة الذهبية التي تحمي أموال المواطنين ومدخراتهم واضحة وثابتة: لا تشترِ مركبة بعقد خارجي، ولا تدفع ثمن حلم قد تستيقظ يوماً لتكتشف أنه لم يكن سوى وهم قانوني مكلف.


























