اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

د. وليد العريض يكتب: الشرق الأوسط الجديد... أو كيف تحوّل بعضنا إلى مراسلٍ رسميٍّ في جيش المنتصر قبل أن تنتهي الحرب!

د. وليد العريض يكتب: الشرق الأوسط الجديد... أو كيف تحوّل بعضنا إلى مراسلٍ رسميٍّ في جيش المنتصر قبل أن تنتهي الحرب!
نبأ الأردن -
منذ الأيام الأولى للمواجهة، خرج علينا جيشٌ كامل من المحللين والخبراء والاستراتيجيين وحملة الخرائط والسهام الملونة ليعلنوا بكل ثقة أن إيران انتهت وأن مشروعها سقط وأن المنطقة دخلت عصرًا جديدًا رسمت حدوده تل أبيب ووقّع خرائطه البيت الأبيض، وكأن الحرب لم تعد صراعًا بين دول وجيوش وإرادات بل مسابقة تلفزيونية يفوز فيها من يطلق أكثر التوقعات جرأة وأقلها صلة بالواقع، حتى بات المشاهد العربي يسمع يوميًا إعلانًا جديدًا عن نهاية الحرب بينما كانت الحرب نفسها ترفض الاعتراف بأنها انتهت.

والأكثر إثارة للسخرية أن بعض هؤلاء لم ينتظروا نتائج المعارك ولا بيانات الجيوش ولا حتى اعترافات الخصوم أنفسهم، بل هرعوا إلى توزيع شهادات الوفاة السياسية والاستراتيجية على الهواء مباشرة وكأنهم موظفون في دائرة الأحوال المدنية للشرق الأوسط الجديد، فصار الواحد منهم يعلن سقوط دولة قبل أن يتناول فطوره ثم يعود مساءً ليشرح للمشاهدين أسباب عدم سقوطها ويقضي الليل في تفسير لماذا لم يحدث ما أكّد صباحًا أنه حدث بالفعل.

أما الرئيس الأمريكي دونالد ترامب فقد تحوّل عند بعض النخب العربية إلى مصدرٍ للوحي السياسي لا يأتيه الشك من بين يديه ولا من خلفه، فإذا صرّح صباحًا بشيء صفّقوا له وإذا نفاه مساءً صفّقوا له أيضًا وإذا عاد في اليوم التالي ليقول عكس ما قاله في اليومين السابقين وجدوا في ذلك دليلًا إضافيًا على عبقريته الاستراتيجية، حتى أصبح المشاهد البسيط يتساءل إن كان ترامب نفسه يعرف حقيقة ما يجري أم أن بعض محللينا باتوا يفهمون ما يدور في رأسه أكثر مما يفهمه هو نفسه.

وربما تكون إيران قد خسرت كثيرًا من الرجال والمنشآت والموارد وربما دفعت أثمانًا باهظة كما يحدث في كل الحروب الكبرى، لكن أحدًا لم يستطع أن يثبت أنها خسرت إرادتها أو استسلمت أو رفعت الراية البيضاء، بينما نجح كثيرون في منطقتنا في خسارة شيء أخطر من السلاح والمال وهو الكرامة السياسية والقدرة على قول كلمة مستقلة، فبعضهم كان يتابع نشرات الأخبار الأجنبية كما يتابع التلميذ نتيجة الامتحان النهائي، ينتظر أن يعرف من خلالها ماذا يجب أن يفكر وماذا يجب أن يقول وماذا يجب أن يشعر.

والمضحك المبكي أن المنطقة التي تضم مئات الملايين من البشر وتملك أكبر احتياطيات الطاقة والثروات الطبيعية وأهم الممرات البحرية في العالم، ما زالت تتصرف أحيانًا كأنها مجموعة جزر صغيرة تنتظر تقرير مصيرها من الخارج، بينما يتعامل بعض قادتها ونخبها مع الأحداث الكبرى وكأن دورهم يقتصر على التعليق والتصفيق وإعادة نشر التصريحات الأجنبية، لا على صناعة السياسات أو التأثير في مسار التاريخ.

لسنا مضطرين للاتفاق مع إيران في كل شيء، ولسنا مطالبين بتجاهل الخلافات السياسية أو العقائدية أو الاستراتيجية معها، لكن المنطق يقول إن الجغرافيا لا يمكن نقلها إلى قارة أخرى وإن التاريخ لا يمكن شطبه بقرار سياسي وإن الدول التي تتجاور لآلاف السنين محكومة بالتعامل والتفاهم مهما اختلفت، ولذلك يبدو غريبًا أن يصبح الخلاف مع الجار أكثر أهمية عند بعضنا من مواجهة مشروع استيطاني توسعي يمارس القتل والتدمير والإبادة أمام أنظار العالم كله.

لقد وصلنا إلى مرحلة بات فيها الحديث عن وحدة الموقف العربي والإسلامي يبدو للبعض نوعًا من الخيال السياسي، بينما يبدو الارتهان للخارج قمة الواقعية والحكمة وكأن الأمة التي امتدت حضارتها قرونًا طويلة أصبحت مقتنعة بأن أقصى طموحاتها هو البقاء على هامش الأحداث ومراقبة الآخرين وهم يقررون مصيرها نيابة عنها، ثم الخروج علينا في نهاية كل أزمة ببيان طويل مليء بعبارات القلق العميق والمتابعة الحثيثة والإدانة الشديدة دون أن يتغير شيء على الأرض.

إن السؤال الحقيقي اليوم ليس ما إذا كانت إيران قد ربحت أو خسرت، بل ما إذا كنا نحن قد تعلمنا شيئًا من كل ما يجري حولنا، لأن الأمم الحية تقرأ الأحداث لتبني مستقبلها بينما تقرأها الأمم الخائفة لتبحث عن مبررات إضافية لخوفها، ولأن أخطر ما نجح فيه المشروع الصهيوني الأمريكي خلال العقود الماضية ليس تفوقه العسكري وحده بل قدرته على إقناع كثيرين في منطقتنا بأن المقاومة مستحيلة وأن الاستقلال مغامرة وأن الكرامة السياسية ترف لا تملكه الشعوب الضعيفة.

أما آن الأوان أن ننزع من وعينا هذا الخوف المزمن وأن نتوقف عن النظر إلى أنفسنا كأمم صغيرة متفرقة بينما نملك من الثروات والبشر والعقول والموقع الجغرافي ما يكفي لصناعة واحدة من أعظم الكتل الحضارية والاقتصادية في العالم وأن ندرك أن الأمة التي تخاف من قوتها أكثر مما يخاف أعداؤها منها لن تصنع مستقبلًا مهما امتلكت من المال والسلاح.

ولعل أكثر ما يدعو إلى السخرية أن بعضنا ما زال يحتفل كل يوم بانتصارات لم يحققها ويشارك في هزائم لم يخضها أصلًا، بينما تستمر المنطقة في دفع أثمان التشرذم والخوف وسوء التقدير ويبقى الشرق الأوسط الجديد الذي يعدوننا به مجرد نسخة أكثر ضجيجًا من الشرق الأوسط القديم، مع عدد أكبر من المحللين وعدد أقل من الحقائق.
تابعوا نبأ الأردن على Google News
تصميم و تطوير Vertex Web Solutions