د.منذر الحوارات يكتب: أميركا وإيران.. حوار بالدم والنار
قبيل الحرب الأخيرة التي سبقتها مفاوضات دارت بين مسقط وجنيف، لم تفشل تلك الجولات بسبب التفاصيل التقنية، بل بسبب جبلٍ شاهق من انعدام الثقة، إذ تسعى واشنطن إلى تعديل سلوك نظامٍ أيديولوجي متمسّك بكل تفاصيل ماضيه، يرتكز على العداء للولايات المتحدة وإسرائيل، ويستند إلى برنامج نووي وصاروخي وأذرع ممتدة في أرجاء المنطقة. في المقابل، تطالب طهران باعترافٍ أميركي صريح بمكانتها ودورها الإقليمي، مع الاحتفاظ بكل ما لا تريده واشنطن، وعليه، فإن السجال بين الطرفين لم يبلغ حدّ الرغبة في إسقاط الآخر، بقدر ما يتعلق بتعديل حساباته وإرغامه على مراجعة أولوياته، فالضربات والحصار البحري والعقوبات الاقتصادية من جهة، واستهداف المصالح الأميركية وإغلاق هرمز لرفع الكلفة عالميًا من جهة أخرى، جعلت المفاوضات تجري بالوسائل العسكرية أكثر مما جرت بالرسائل الدبلوماسية، فلم نشهد حربًا شاملة، ولا سلامًا حقيقيًا، بل هدنةً هشّة مرشّحة دومًا للانهيار.
وكالعادة، ما إن تبدأ العاصفة العسكرية حتى تهبّ الوساطات الإقليمية لوقف الضربات، ويُعلَن عن مذكرة تفاهم ومواعيد للتوقيع، ثم يبدأ التراجع والإنكار وتأجيل المواعيد، وتعود الدورة من أوّلها، وهنا يطرح السؤال الجوهري نفسه بإلحاح: هل نحن أمام مقدمة اتفاق حقيقي، أم أمام نسخة جديدة من دورة الاستنزاف ذاتها؟ ومن يدفع الثمن في نهاية المطاف؟ بالتأكيد ليس الأميركيون أو الإسرائيليون، إذ ازداد كلاهما قوةً ونفوذًا، أما المتضررون الحقيقيون فهم إيران ودول الخليج والأردن وسائر دول العالم الثالث الهشّة، التي تحمل وحدها كلفة الصراع كاملةً، من ارتفاع أسعار الطاقة واضطراب سلاسل التوريد وتراجع الاستثمار، وصولًا إلى ما هو أشدّ وطأةً: تآكل الثقة بإمكانية الاستقرار يومًا ما في هذه المنطقة، وهو ما ينسف كل جهود إعادة الأمل والتنمية.
والمفارقة الصارخة أن إيران التي بنت الصواريخ وأدارت شبكة نفوذ إقليمية لا مثيل لها، وتحكّمت في مصير دول بأكملها، تعيش في داخلها أزماتٍ لا تعانيها إلا الدول الفقيرة، من شُحّ المياه وانقطاع الكهرباء إلى تضخّمٍ جارف أكل دخول المواطنين، وهنا يُطرح سؤالٌ لا مفرّ منه: ماذا جنى المواطن الإيراني من كل هذا؟ وماذا قدّمت إيران لمواطني الإقليم وقضاياهم في مقابل كل ذلك الطموح؟
في أحسن الأحوال، نحن أمام مذكرة تفاهم أو إطار لمفاوضات مستقبلية، تصاحبه تهدئة مؤقتة تتحكم في أمدها نوايا الطرفين، بينما تبقى عناصر التفجير حاضرةً وبقوة؛ من البرنامج النووي والصاروخي، إلى الطموح الإقليمي الإيراني المتجذّر، إلى حسابات إسرائيل التي تريد نسف أي اتفاق لا يخدمها، رغم إدراكها أن انهيار المفاوضات قد يؤدي إلى اتساع الصراع إقليميًا، وهو السيناريو الأخطر على الإطلاق.
وفي غمرة التفاؤل بتوقيع مذكرة التفاهم، فإن المشكلة الحقيقية لم تعد في قدرة الطرفين على تقديم تنازلات، بل في أن المنطقة بأسرها باتت رهينةَ مشروعٍ أكبر من طاقة حامله، مشروع لم يعد قادرًا على الوفاء بوعوده، ولا يملك الجرأة على التراجع عنها لأن ثمن ذلك هو بقاؤه ذاته، لكن الأهم من واقع الحال نفسه هو فيما إذا كان الطرفان سيدركان أن كلفة استمرار الصراع باتت أعلى كلفة من التسوية، وأن أي اتفاق ناقص قد يكون أقل خطرًا من استمرار المواجهة المفتوحة.
وإلى أن يصل الطرفان إلى هذه القناعة، تبقى المنطقة تدفع ثمن حوارٍ لا يُدار بالكلمات، بل بالدم والنار، وكل ما يُخلّفه من موتٍ وخراب.


























