م. صلاح طه عبيدات يكتب: الأردن بين الدولة الممكنة والأيديولوجيا المستحيلة
نبأ الأردن -
ليس من السهل أن تتحدث عن الأردن دون أن تتحدث في الوقت ذاته عن المعضلة العربية الكبرى. فالأردن ليس مجرد دولة تقع على هامش الأحداث، بل هو مرآة تعكس بصورة مكثفة الأسئلة التي ما زالت تطارد العقل العربي منذ أكثر من قرن: كيف تُبنى الدولة؟ ما العلاقة بين الهوية والسلطة؟ هل تنشأ الأوطان من الأيديولوجيا أم من الواقع؟ وهل تستطيع المجتمعات أن تعيش على الأحلام أكثر مما تعيش على المؤسسات؟
لقد وُلد الأردن الحديث في زمن كانت المنطقة العربية كلها تبحث عن نفسها بين أنقاض الإمبراطوريات وسقوط الخلافة وصعود القوميات وتنازع المشاريع الكبرى. وفي الوقت الذي انشغلت فيه حركات سياسية كثيرة برسم خرائط مثالية لأمة عربية واحدة أو خلافة جامعة أو ثورة عالمية شاملة، كان الأردن يواجه سؤالاً أكثر تواضعاً وأكثر صعوبة في آن واحد: كيف يمكن بناء دولة قابلة للحياة في بيئة لا تعترف أصلاً بإمكانية بقائها؟
وهنا تكمن المفارقة التاريخية التي تستحق التأمل.
ففي العالم العربي غالباً ما انتصرت الأيديولوجيا على الواقع في الخطاب، لكنها انهزمت أمامه في الممارسة. رفعت أنظمة وأحزاب كثيرة شعارات الوحدة والتحرير والاشتراكية والثورة والمقاومة والتغيير الجذري، لكنها أخفقت في بناء مؤسسات مستقرة قادرة على خدمة مواطنيها. وفي المقابل، سارت دول أخرى في طريق أقل صخباً وأكثر براغماتية، فبنت الإدارة قبل الشعارات، والمؤسسات قبل الهتافات، والدولة قبل الحلم الإمبراطوري.
ولعل الأردن يمثل أحد أكثر النماذج إثارة للجدل في هذا السياق.
فهو دولة لم تبنِ شرعيتها على ثورة أيديولوجية كبرى، ولم تدّع امتلاك الحقيقة المطلقة، ولم تقدم نفسها باعتبارها مركز الكون العربي أو وريث التاريخ كله. ومع ذلك، استطاعت أن تستمر بينما انهارت مشاريع أكبر منها مساحةً وسكاناً وموارد.
وهنا يبرز السؤال الذي قد يزعج كثيراً من المسلمات الفكرية العربية:
هل فشلت بعض الأيديولوجيات العربية لأنها كانت طوباوية أكثر من اللازم؟ أم لأنها حاولت إعادة تشكيل المجتمع وفق تصورات نظرية لا وفق حقائقه التاريخية؟
إن الدولة ليست قصيدة شعر، ولا بياناً ثورياً، ولا حلماً رومانسياً. الدولة في جوهرها عقد اجتماعي ومؤسسات وقوانين وقدرة على إدارة التعدد والاختلاف. ولهذا فإن الدول لا تُقاس بحجم الشعارات التي ترفعها، بل بقدرتها على البقاء وتحقيق الأمن والكرامة والعدالة لمواطنيها.
ومن هنا تبدو التجربة الأردنية جديرة بالتأمل. فقد قامت على توازن معقد بين الدولة والعشيرة، بين الحداثة والتراث، بين الانتماء الوطني والانتماءات المحلية. بينما كان كثير من المفكرين العرب ينظرون إلى العشيرة باعتبارها بقايا ماضٍ ينبغي القضاء عليه، أثبت الواقع أن المجتمعات لا تُبنى بقرارات إلغاء الهوية، بل بإعادة توظيفها داخل مشروع وطني جامع.
لقد أخطأت بعض النخب العربية حين تصورت أن التقدم يبدأ من اقتلاع الجذور، بينما تؤكد التجارب الناجحة أن التقدم الحقيقي يبدأ من فهم الجذور وتطويرها. فالعشيرة في الأردن لم تكن مجرد رابطة دم، بل كانت مؤسسة للتكافل والانتماء والاستقرار، واستطاعت الدولة أن تحولها تدريجياً من منافس محتمل إلى شريك في بناء المجتمع.
غير أن هذا لا يعني أن التجربة الأردنية مكتملة أو معصومة من النقد. فكل دولة تواجه تحدياتها وأسئلتها الخاصة. لكن الفارق الجوهري يكمن في أن الأردن اختار منذ نشأته منطق الدولة الممكنة لا منطق الدولة المتخيلة، ومنطق الإصلاح التراكمي لا منطق القطيعة الشاملة، ومنطق الاستقرار المتدرج لا المغامرات الوجودية.
ولعل أخطر أزمة يعيشها الفكر العربي اليوم ليست أزمة موارد أو حدود أو حتى أنظمة حكم، بل أزمة تصور للواقع. فما زالت قطاعات واسعة من النخب أسيرة ثنائيات قديمة: ثورة أم رجعية؟ أصالة أم حداثة؟ دولة أم أمة؟ قبيلة أم مواطنة؟ وكأن التاريخ لا يسمح بالجمع بين هذه العناصر في صيغة أكثر تعقيداً وثراءً.
إن الأردن يقدم درساً مختلفاً: فالهويات لا تتصارع بالضرورة، بل يمكن أن تتكامل. والعشيرة لا تنفي الدولة، كما أن الدولة لا تقتضي إلغاء المجتمع. والاعتدال ليس ضعفاً كما يصوره المتحمسون للأيديولوجيا، بل قد يكون في كثير من الأحيان أعلى درجات الحكمة السياسية.
ويبقى السؤال الأهم:
هل يحتاج العالم العربي إلى مزيد من الثورات الفكرية، أم إلى مزيد من الدول القادرة على إدارة الواقع؟
فالتاريخ يعلمنا أن الشعوب لا تعيش بالشعارات مهما كانت جميلة، بل تعيش بالمؤسسات. وأن الأوطان لا تُبنى بالغضب وحده، بل بالصبر أيضاً. وأن المجد الحقيقي للدول لا يتحقق حين تتحدث كثيراً عن نفسها، بل حين يكتشف الآخرون قيمتها من خلال ما أنجزته.
وربما لهذا السبب ظل الأردن، رغم كل التحديات، قادراً على الحفاظ على مكانته واحترامه في عالم لا يحترم إلا الدول التي نجحت في تحويل الجغرافيا الصعبة والتاريخ المعقد والتنوع الاجتماعي إلى مشروع وطني قابل للاستمرار.
وفي زمن تتساقط فيه الأوهام الكبيرة، يبقى السؤال مفتوحاً أمام العرب جميعاً: هل نريد أن نعيش داخل الحلم الذي لم يتحقق منذ قرن، أم أن الوقت قد حان لبناء الدولة التي يمكن أن تتحقق فعلاً؟























