اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

عريب الرنتاوي يكتب: من دروس الحرب على إيران: "التحالفات المرنة" ليست بديلاً عن "منظومة إقليمية للأمن والتعاون"

عريب الرنتاوي يكتب: من دروس الحرب على إيران: التحالفات المرنة ليست بديلاً عن منظومة إقليمية للأمن والتعاون
نبأ الأردن -
ينعقد إجماع المراقبين والمحللين، على أن الإقليم الممتد من قزوين إلى ضفاف المتوسط، لن يعود إلى ما كان عليه قبل اندلاع الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران...الحرب التي جاءت امتداداً وتتويجاً، لسلسلة من الحروب المتناسلة والمتنقلة منذ السابع من أكتوبر 2023، كانت بمثابة اختبار صعب لأطر وهياكل العمل الجماعي القائمة، وما تفرع عنها من تحالفات مرنة وصلبة، فضلاً عن دورها في إعادة تعريف توازنات القوة ودينامياتها...ما بعد الثامن والعشرين من فبراير، ليس كما قبله، تلكم هي الخلاصة الأهم.
خاضت إسرائيل حروبها هذه، بدعم من إدارة ترامب، تحت شعار إعادة تشكيل الشرق الأوسط وترسيم خرائطه، وهي رؤية تستبطن مشروعاً استعمارياً توسعياً: "إسرائيل الكبرى"، أقله بين النهر والبحر، وما حاذاها من "أحزمة أمنية" في عمق الجغرافيا اللبنانية والسورية، وتلحظ انتقال إسرائيل من حالة "التفوق-"Superiority، إلى وضعية "الهيمنة- "Hegemony، حيث الغاية هنا تبرر الوسيلة حتى وإن بلغت ذُرىً غير مسبوقة في التوحش والإبادة وتكسير الخطوط الحمراء، والضرب يمنة ويسرة، ليل نهار، وعلى مدار الساعة والأيام.
لكن ليس كل ما تتمناه إسرائيل تدركه، فالحروب تكشّفت عن جملة من الحقائق، أو أعادت تأكيدها، لعل أهمها اثنتان: أولاهما: أن ثمة "حدوداً للقوة" الإسرائيلية، مهما بلغت قدرتها على التدمير وتسوية القرى والمدن بالأرض، فلا "نصر مطلقاً" تحقق على أي من الجبهات، ولا راية بيضاء رفعت من أيٍ من أطرافها...وثانيتهما: أن إسرائيل إن انقطع "حبلها السُرّي" مع الولايات المتحدة، ليست سوى لاعب من بين لاعبين في المنطقة، ربما أكثرهم قوة ولكنها أقلهم "مَنَعةً"، وأن "تحولاً" كهذا، سيكون له ما بعده، سيما مع اشتداد أطواق النبذ والعزلة التي تحيط بها، وانقلاب المشهد الدولي والأمريكي (الرأي العام)، على السردية والصورة الإسرائيليتين، رأساً على عقب.
والأهم من كل هذا وذاك، أن إسرائيل، بغطرستها وميلها الجارف لفرض الهيمنة وتكسير "الخطوط الحمراء"، وانفلات قادتها من اليمين الأكثر وحشيةً من كل عقال، باتت تتحول من مشروع "حليف محتمل" إلى "تهديد كامن" من منظور أطرافٍ عربية متزايدة، كان يمكن أن ترتبط معها، بعلاقات تطبيعية، إن على الطراز الإبراهيمي، أو تحت أية صيغة ومُسمى.
دفعت التحولات في بنية السياسة والمجتمع الإسرائيليين، بأطراف عربية وخليجية، إلى اعتماد مقاربة جديدة حيال إيران، حتى والأخيرة تستهدف أراضيها بالمسيّرات والصواريخ...مقاربة تنبع من خشية كامنة، من تحقيق تل أبيب لـ"نصرها المطلق"، بما يفتح شهيتها للتوسع والهيمنة...مقاربة قاومت محاولات واشنطن وتل أبيب توريط دول عربية في حرب مفتوحة مع إيران، وتستعجل إنهاء الحرب وتجسير الفجوات...لقد آثرت الدبلوماسية العربية (والخليجية عموماً)، لعب دور الوسيط الضاغط لوقف الحرب، على التخندق في الصف الأمريكي، الذي لا يعني شيئاً سوى التخندق مع إسرائيل، ولقد جاءت مواقف دول خليجية وازنة، بمثابة انتصار للعقل والمنطق، على مشاعر الغضب وصيحات الثأر والانتقام، وفي ظني أن ذلك، سيؤسس لنمط مختلف من العلاقات بين ضفتي الخليج حين تصمت المدافع وتضع الحرب أوزارها، علاقات تقوم على قواعد جديدة، كفيلة بتبديد المخاوف وقمينة بتعظيم المشتركات.

هياكل وتحالفات
غابت الهياكل القائمة للعمل الجماعي العربي، قومياً وإقليمياً، عن دائرة الفعل المُبادئ والمُبادر طيلة فترة الحرب، لكن دولاً عربية نشطة (قطر، السعودية، مصر)، لم تقف ساكنة ترقب مشهد انهيار منظومات الأمن وارتفاع منسوب التهديد...وحلّت "دبلوماسية جماعية-"Collective Diplomacy محلها، انخرطت فيها بنشاط كل من الباكستان وتركيا، وصار الرهان معقوداً على هذه الأطر المرنة، ليس فقط للتوسط بين الأفرقاء المتحاربين، بل ولتقديم سردية مضادة للسردية الإسرائيلية في دوائر صنع القرار العالمية، وبالذات في واشنطن، فبات نتنياهو يتوفر على أُذنٍ واحدة من أذنيي الرئيس الأمريكي، فيما الثانية صارت تصغي على نحو أفضل، لما يقوله الفريق الآخر، وتلكم نقلة مهمة في لعبة الدبلوماسية والحرب.
والحقيقة أن هذه "الخُماسية"، لم تنشأ على هامش الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران وبفعلها، فقد سبق لثلاث من دولها، أن لعبت دوراً متميزاً، وما تزال، لوقف حرب الإبادة والتهجير على غزة، وهي بالإضافة للأردن وأندونسيا والإمارات، شكلت مجموعة الثمانية "G8”، التي عملت على استدخال بعض التعديلات على مبادرة النقاط العشرين لدونالد ترامب، والتي ستصبح قراراً أممياً يحمل الرقم 2018، ومن دون أن نبخس سلطنة عمان مساعيها الحميدة ودورها المتميز في التوسط في ملفي إيران واليمن، فقد لعب الأردن ومصر، دوراً مشهوداً في التصدي لمؤامرة تهجير الفلسطينيين من غزة، والتي إن نجحت، فقد كانت ستمهد الطريق لتهجير أشد خطورة وأوسع نطاقاً من القدس والضفة الغربية.
يتضح من رصد خرائط الحراكات والتحالفات السياسية، أنها تخطت "الهياكل الجامدة" القائمة للعمل الجماعي العربي والاسلامي، وتجاوزت إلى حد بعيد، تجربة "التحالفات الصلبة" التي تميزت بها عشرية الربيع العربي، وما تخللها من صراع محاور وحروب وكالة وعسكرة للفضاء العربي العام، بالذات في دول الأزمات المفتوحة، حتى أن المنطقة، صارت اليوم مسرحاً لنوع جديد من "التحالفات المرنة"، التي تضيق وتتسع، تبعاً للقضية قيد البحث والمعالجة، وربما تكون هذه "الدبلوماسية الجماعية" سمة الحقبة التي ستعقب الحرب وما يتفرع عنها من مبادرات وتصورات، لمعالجة بقية الأزمات العالقة في الإقليم.

ديناميات جديدة
يفتح ذلك الباب رحباً، أمام أنماط جديدة من الأمن والتعاون بين الفاعلين الأساسين في الإقليم وما وراءه، بعد أن كان محصوراً، أو يكاد، في مسار تطبيعي، عُدّت إسرائيل محوره وفي قلبه...اليوم، تنفتح دولٌ عربية عديدة على اتفاقات ثنائية وتعاون أمني وعسكري مشترك من كل من تركيا والباكستان، وتتراجع مكانة إسرائيل كعقدة وصل في الممر البري الهندي "IMEC”، بعد أن تقدمت مكانة سوريا كممر ومعبر للطاقة والأنابيب والسكك الحديدية والطرق السريعة، وتبدو موانئ تركيا وسوريا (ولاحقاً لبنان) أكثر جاذبية من "الموانئ المحتلة" على شواطئ المتوسط، والمشاريع التي يجري إبرام عقودها وتتطاير أنباؤها، لا تدفع الإسرائيليين للتفاؤل بمستقبل أكثر اندماجاً في المنطقة.
في مرحلة ما بعد الحرب، وبعد أن تكشّفت النتائج الكارثية لإغلاق هرمز، تتجه الإنظار لتوفير بدائل أكثر ديمومة وأمناً للحفاظ على سلاسل الإمداد، وثمة صراع ينعقد على خرائط الأنابيب والسكك وطرق التجارة السريعة، ويتعين أن يكون هناك موقفاً عربياً واعياً وصلباً، قوامه: إن مجرمي الحرب من فاشيين وعنصريين، لا يتعين أن ينالوا جوائز ترضية، أو أن يُكافأوا على أفعالهم النكراء، بل يتعين المضي إلى أبعد حد، في عزلهم ونبذهم، ومعاقبتهم اقتصادياً وتجارياً على الأقل، وهذا أضعف الإيمان.
العرب ليسوا بحاجة لإسرائيل، لا في الأمن ولا في الاقتصاد والغذاء والماء، إسرائيل التي لم تستطع أن تحمي نفسها من إيران وحماس وحزب الله والحوثيين، لن تكون مؤهلة لحماية أحد، والموارد العربية واسعة ومتعددة وتتوفر على مختلف البدائل، ويتعين رسم خرائط الأنابيب وخطوط الإمداد على الأرض العربية، دون انغلاق، بل بالتكامل مع دول شقيقة وصديقة من مثل الباكستان وتركيا.
إسرائيل لا تُخفي عدائها لكل هذه الأطراف، ويتبارى قادتها في تحديد بنك الأهداف بعد أن يفرغوا من تحييد التهديد الإيراني، وفي قلب دائرة استهدافاتهم، تقع دول الخليج ومصر والأردن وتركيا والباكستان، فهل نضرب صفحاً عن فيض الوعيد والتهديد الصادر عن عتاة الصهاينة وغُلاتهم؟
قبيل الحرب على إيران، تحدث "العقل الاستراتيجي" لنتنياهو، عن أهم مصدرين للتهديد تواجههما إسرائيل في المرحلة المقبلة: المحور الشيعي بقيادة إيران، وقد نجح في "جرجرة واشنطن" لشن حرب عليه، والمحور الراديكالي السني الذي يُطل برأسه من ثنايا التقارب التركي-السعودي-القطري-المصري- الباكستاني، ولمواجهة هذين المحورين، اقترح تشكيل محور صلب، سداسي الأضلاع، يشتمل على دولة عربية واحدة على الأقل، وأثيوبيا والهند واليونان وقبرص إلى جانب إسرائيل.
مرة أخرى، ليس كل ما تتمناه تل أبيب تدركه، فلا الحرب على إيران مكنتها من تحييد التهديد، ولا تشكيل المحور السداسي سيكون بمثابة نزهة قصيرة، فالهند، أحد أركان هذا المحور، والضلع الرابع في مجموعة "2i 2U”، لديها مصالح متشعبة مع دول عربية وخليجية أخرى، هيهات أن تُفرّط بها، فيما يبدي الاتحاد الأوروبي حذراً من مغبة تورط اليونان وقبرص في مشاريع عسكرة الجزيرة الصغيرة، ونقل صراعات الشرق الأوسط إلى عمقها، والمقامرة بسباق تسلح وعسكرة فوق شطريها المنقسمين، سيما بعد تعرض الجزيرة لضربات عسكرية أثناء الحرب، وقيام تركيا بتعزيز قدراتها العسكرية في الجزء الشمالي منها.
ولسنا بحاجة لكثيرٍ من الاجتهاد لمعرفة أن اختيار أطراف الحلف السداسي المذكور، من أفرقاء معادين لمصر (أثيوبيا)، وتركيا (اليونان وقبرص)، والباكستان (الهند)، فضلاً عن السعودية ودول الخليج واليمن والصومال والسودان، إنما يفضح أهدافه ومراميه العدوانية، ويوجب التنبه لتشكله قبل قيامه، وليس بعد ذلك.

نحو منظومة إقليمية للأمن والتعاون
الخلاصة الأهم لتداعيات الحرب على إيران، أن لا واشنطن ولا تل أبيب تحميان أحداً، وأنهما تنظران للخسائر والتهديدات التي تتعرض لها الدول العربية، بوصفها "أضراراً جانبية" لا أكثر، وأن أياً من اللاعبين الدوليين الآخرين، لن يكون قادراً في المدى المنظور على الأقل، لملء ما يمكن أن يكون فراغاً في الدور الأمريكي، أو انكماشاً لهذا الدور، عملاً بمندرجات الاستراتيجية الأمنية الكونية للولايات المتحدة (2024)، وأن أمن هذه المنطقة واستقرارها وازدهارها، هي مسؤوليها دولها وشعوبها، وأن أي فراغ ناشئ في منظومة الأمن والحماية، يجب أن يُملأ من قبلها، من دون انكفاء ولا عزلة، ومن دون إدارة الظهر لواشنطن، فهذا ليس خياراً، ولكن بالتنويع والتعدد، تنويع التحالفات، وتعديد مصادر الدعم والاسناد والتزويد
مثل هذه الخلاصة، تملي التفكير جدياً، بالتوجه لإنشاء منظومة إقليمية للأمن والتعاون، تضم الخماسية المذكورة، وتنفتح على فاعلين جدد، ليست إسرائيل جزءاً منها، بل هدفاً لها، منفتحة على مشاركة لاحقة لإيران، التي يمكن أن تكون عامل استقرار لهذه المنظومة "stabilizing factor”، أو عامل تخريب لها طالما بقيت خارجها...منظومة لا تُسقط الحاجة لتطوير الهياكل الجماعية القائمة وتفعيلها، بل تُشدد عليها.
إن التحدي الأبرز، والامتحان الأشد صعوبة الذي جابه وسيجابه "ثلاثي الوساطة" و"خماسية الدبلوماسية الجماعية" و"مجموعة الثمانية"، وسيجابه أي هياكل إقليمية مستحدثة للأمن والتعاون، إنما يتمثل في وقف حرب الإبادة والتجويع والترويع والتهجير التي ما زالت مستمرة ضد الشعب الفلسطيني، وحسناً فعل "ثلاثي الوساطة" حين استأنف أنشطته في القاهرة والعلمين مؤخراً، لإعادة إحياء ملف غزة، وبناء حاجز صدّ في وجه انحيازات ملادينوف للرؤية والرواية الإسرائيليتين، فلا يجوز بحال من الأحوال، أن تهبط قضية فلسطين، من صدارة الاهتمامات وجداول الأعمال الإقليمية والدولية إلى قعرها، وأن تبقى محتجبة خلف سحب الدخان والغبار المنبعثة عن الحروب التي تشنها تل أبيب وواشنطن على دول المنطقة وشعوبها، وعلينا دائماً أن نستذكر ونستحضر الحقيقة الصلبة: ما نشهده اليوم من معارك وحروب في الجو والبر والبحر، وميادين الطاقة والملاحة وسلاسل الإمداد، إنما بدأ في السابع من أكتوبر، وبقية القصة معروفة.
تابعوا نبأ الأردن على Google News
تصميم و تطوير Vertex Web Solutions