اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

ماهر الشريدة يكتب : الإعلام الرقمي والإعلان… حدود متداخلة تحتاج ضبطاً تشريعياً واضحاً

ماهر الشريدة يكتب : الإعلام الرقمي والإعلان… حدود متداخلة تحتاج ضبطاً تشريعياً واضحاً
نبأ الأردن -
أعادنا نظام تنظيم الإعلام الرقمي إلى دائرة النقاش حول حدود العلاقة بين الإعلام والإعلان وصناعة المحتوى، وبالتحديد: هل جرى خلط تنظيمي بين النشاط الإعلامي والنشاط الإعلاني ضمن الصياغات الجديدة للمفاهيم الرقمية؟ 

ففي الوقت الذي يفترض فيه أن يهدف التنظيم إلى ضبط البيئة الرقمية وتحديث أدواتها وتفصيل أنشطتها، جاءت بعض التعريفات لتوسّع نطاق "المحتوى الإعلامي الرقمي” إلى حد يشمل كل ما يُنتج أو يُنشر أو يُبث رقمياً، دون تمييز دقيق بين المحتوى التحريري والإعلاني والتسويقي؛ وهذا التوسع، رغم نواياه التنظيمية، يثير إشكالية حقيقية تتعلق بطمس الحدود الفاصلة بين الإعلام بوصفه مهنة قائمة على المصلحة العامة، والإعلان بوصفه نشاطاً تجارياً قائماً على الترويج والإقناع.

فالإعلام، في جوهره، يقوم على نقل المعلومات والأخبار والمعرفة وخدمة المصلحة العامة، وفق معايير الاستقلالية والمهنية والمسؤولية المجتمعية؛ فيما الإعلان عبارة عن نشاط تجاري يستهدف الترويج لسلعة أو خدمة أو فكرة أو جهة معينة، ويخضع أساساً لقواعد حماية المستهلك وضبط المنافسة ومنع التضليل.

ورغم هذا التمايز الواضح، فإن الواقع الرقمي أفرز تداخلاً اقتصادياً بين المجالين، إذ باتت الإعلانات والرعايات والمحتوى الممول تشكل المصدر الرئيس لتمويل المنصات الرقمية وصناع المحتوى. غير أن هذا الارتباط المالي لا يعني بأي حال اندماجاً مهنياً أو تشريعياً، ولا يبرر تذويب الحدود بين الخبر الصحفي والإعلان التجاري.

وتكمن الإشكالية الأعمق عندما يتم توسيع مفهوم "الإعلام الرقمي” ليشمل النشر والإعلان معاً ضمن إطار واحد، ما قد يؤدي عملياً إلى تشتيت الأدوار بين الصحفي والناشر والمؤثر والمسوق الرقمي، ويفتح الباب أمام خلط تنظيمي يطال أنشطة لا تدخل في صلب العمل الإعلامي المهني.

ومن هنا، تبرز أهمية ما أكدته نقابة الصحفيين خلال مناقشة مشروع النظام، بضرورة إعادة ضبط التعريفات، وعدم التوسع في استخدام مصطلح "الإعلام الرقمي” بطريقة فضفاضة، تجنباً للاجتهادات المتضاربة لاحقاً، وحفاظاً على وضوح المرجعية المهنية والقانونية.

وفي السياق ذاته، يفرض الواقع الرقمي المتسارع، واتساع سوق الإعلانات التي ينفذها المؤثرون وصناع المحتوى، أسئلة جدية حول مدى الالتزام بالتشريعات الناظمة، سواء من حيث التراخيص أو تصاريح العمل أو القواعد المنظمة للنشاط الإعلاني، في ظل اقتصاد رقمي بات يعتمد بشكل متزايد على المحتوى المدفوع وغير المعلن.

وعليه، فإن معالجة هذا التداخل لا تكون بدمج الإعلام بالإعلان ضمن إطار تنظيمي واحد، بل عبر الفصل الواضح بينهما، من خلال تطوير تنظيم متخصص للإعلان الرقمي، يراعي طبيعة هذا القطاع، ويحقق التوازن بين حرية التعبير من جهة، وحماية المستهلك والهوية الوطنية من جهة أخرى.

فالإعلان الرقمي بحاجة إلى منظومة مستقلة تتضمن معايير واضحة، أبرزها: الإفصاح الإلزامي عن المحتوى المدفوع، وتنظيم عمل المؤثرين التجاريين، ومكافحة الإعلانات المضللة، وحماية الأطفال والقاصرين، وضبط استخدام البيانات الشخصية، إضافة إلى تنظيم استخدام التقنيات الحديثة وعلى رأسها الذكاء الاصطناعي في إنتاج المحتوى الإعلاني.

كما تبرز ضرورة خاصة في السياق الأردني تتعلق بحماية الرموز الوطنية والهوية الثقافية من الاستغلال التجاري، عبر وضع ضوابط صارمة لاستخدام العلم الأردني والشعارات الرسمية والزي العسكري والمواقع السيادية في الإعلانات، بما يمنع أي إيحاء مضلل بوجود صفة رسمية أو اعتماد حكومي.

وفي ظل الانفتاح الواسع على سوق الإعلان الرقمي، يصبح من الضروري أيضاً تنظيم مشاركة غير الأردنيين في هذا القطاع ضمن أطر قانونية واضحة، تضمن الترخيص والالتزام بالقوانين النافذة ومبدأ المعاملة بالمثل، وتحد من النشاط الفردي غير المنظم في مجال حساس يرتبط بالاقتصاد الرقمي والرأي العام.

إن التحدي الحقيقي اليوم لا يكمن في تنظيم الإعلام الرقمي فحسب، بل في منع ذوبان حدوده داخل النشاط الإعلاني، بما يحافظ على هوية المهنة الصحفية، ويضمن في الوقت ذاته ضبط سوق الإعلان الرقمي وفق قواعد شفافة وعادلة.

وفي المحصلة، فإن الفصل التشريعي الواضح بين الإعلام والإعلان ضرورة مهنية واقتصادية وأخلاقية، تحمي الصحافة من التشوه، وتحمي السوق من الفوضى، وتحمي المجتمع من التضليل.

ماهر الشريدة
رئيس لجنة حماية المهنة 
نقابة الصحفيين
تابعوا نبأ الأردن على Google News
تصميم و تطوير Vertex Web Solutions