جهاد مساعدة يكتب: القادمون!
نبأ الأردن -
دخلتُ صالة "القادمين" مشغولًا بما ينشغل به المنتظرون عادةً: رقم الرحلة، وموعد هبوط الطائرة، والبوابة التي سيخرج منها القادم، وتلك الدقائق التي تتثاقل أمام المشتاق كأنها لا تريد أن تمضي.
ثم رأيتُ الكلمة معلّقةً فوق الباب:
القادمون.
كلمةٌ هادئة، لا تفعل شيئًا سوى أن تنتظر.
وقبلها بقليل كانت هناك كلمةٌ أخرى:
المغادرون.
وقفتُ بينهما كمن يقف بين أول الحكاية وآخرها، ثم يكتشف أن الحكاية لا أول لها ولا آخر.
كان في صالة القادمين رجلٌ خمسينيٌّ يطالع الباب في كل لحظة، ثم ينظر إلى ساعته كأنها مسؤولة عن تأخير ابنه. وكانت امرأةٌ مسنّةٌ تمسك مسبحتها بيد، وتشدُّ طرف عباءتها باليد الأخرى، وعيناها معلقتان بالباب كأنهما لا تعرفان في الدنيا طريقًا غيره. وكان طفلٌ صغير يسأل أمه كل دقيقة:
هل وصل؟
فتجيبه وهي لا تنظر إليه:
بعد قليل.
ولم يكن الطفل يدري أن سؤاله هو سؤال البشر جميعًا منذ أول الغياب:
هل يعود من نحب؟
هل للرحيل نهاية؟
هل في الجهة الأخرى من كل مغادرة بابٌ اسمه القادمون؟
عندها بدا لي المطار كأنه حارةٌ واسعة من حارات الدنيا؛ ناسٌ يدخلون، وناسٌ يخرجون، وناسٌ يقفون على أرصفة الانتظار.
في جهةٍ يبكي قومٌ لأن أحدهم غادر، وفي جهةٍ أخرى يفرح قومٌ لأن أحدهم وصل.
والشخص نفسه الذي كان هناك سببًا للدموع، يصبح هنا سببًا للفرح.
ما أعجب الإنسان حين يرى نصف المشهد ثم يحكم على الوجود كله!
نحن نحزن في صالة المغادرين لأننا نرى الظهر الذي يبتعد، واليد التي تلوّح، والباب الذي يُغلق.
لكننا لا نرى الوجه الذي سيضيء في الجهة الأخرى.
لا نرى الأم التي تنهض حين يظهر ابنها.
ولا الأب الذي يبتلع دمعةً ويخفيها بسؤالٍ عادي: كيف كانت الرحلة؟
ولا البيت الذي يستردُّ صوته حين يعود الغائب.
ولذلك فإن حزننا، في أكثر الأحيان، حزنٌ ناقص الرؤية.
فما من مغادرةٍ إلا وهي قدومٌ من زاويةٍ أخرى.
يغادر الإنسان بيتًا ليقدم على طريق.
ويغادر حلمًا ليقدم على حكمة.
ويغادر حزنًا ليقدم على سلامٍ لم يكن ليعرفه لولا ذلك الحزن.
ويغادر مرحلةً من عمره ليقدم على مرحلةٍ أكثر وعيًا، وأشد هدوءًا، وأقرب إلى الحقيقة.
ثم فُتح باب القادمين.
خرج شابٌّ يحمل حقيبةً صغيرة.
رأيتُ الرجل الخمسينيّ يتقدم نحوه بخطواتٍ حاول أن يجعلها متزنة، لكن القلب فضحه. مدّ يده كأنه يريد مصافحةً عابرة، ثم ضمّه فجأةً إلى صدره، كما لو أنه يستعيد زمنًا لا شخصًا.
أما المرأة المسنّة، فقد وقفت حين ظهر رجلٌ آخر، وارتجفت يدها، وسقطت من أصابعها حبات المسبحة، لكنها لم تنحنِ لتلتقطها. كان القادم أهم من كل ما سقط.
في تلك اللحظة فهمتُ أن الوصول ليس دخول مسافرٍ إلى صالة.
الوصول أن تعود قطعةٌ من الروح إلى مكانها.
أن يمتلئ مقعدٌ ظلّ فارغًا.
أن يعود صوتٌ كانت الجدران تفتقده.
أن يتنفس بيتٌ كان ناقصًا منذ غاب صاحبه.
ثم رفعتُ بصري إلى اللوحتين:
المغادرون.
القادمون.
فوجدتُهما ليستا خصمين، بل وجهين لمعنى واحد.
لولا المغادرون ما كان للقادمين هذا الوهج.
ولولا الغياب ما صار للعناق هذه القيمة.
ولولا الباب الذي يُغلق، لما عرفنا نعمة الباب الذي يُفتح.
حتى الموت، ذلك الباب الذي ترتجف عنده الكلمات، بدا لي في تلك اللحظة أقلَّ ظلمة.
صحيحٌ أن الذين يغادرون منه لا يعودون إلى موائدنا، ولا ترنُّ أسماؤهم على هواتفنا، ولا نراهم بين وجوه العابرين.
لكن الإيمان يهمس لنا أن الباب ليس عدمًا.
إنه انتقال.
مغادرةٌ من هنا.
وقدومٌ إلى هناك.
أليس الطفل يغادر رحم أمه باكيًا، فنستقبله نحن بالفرح؟
فلماذا لا يكون رحيل الإنسان من هذه الدنيا بكاءً من جهتنا، وقدومًا من جهةٍ أخرى إلى رحمةٍ أوسع من كل مطارات الأرض؟
ربما كانت الدنيا كلها صالة انتظار طويلة.
نجلس فيها قليلًا، نتبادل الأسماء والوجوه والحكايات، نحبّ ونخاصم، نحلم ونتعب، ثم يُنادى كلُّ واحدٍ منا باسمه حين يحين موعده.
بعضنا ينهض خفيفًا.
وبعضنا ينهض مثقلًا.
والفرق لا تصنعه الحقائب، بل ما حمله القلب، وما تركته اليد، وما سبق اسمَه إلى قلوب الناس من أثرٍ طيب.
غادرتُ المطار، ولكن كلمة "القادمون" لم تغادرني.
صارت تضيء في داخلي كلما تذكرت مغادرةً موجعة.
كلما غاب شخصٌ أحببته.
كلما انطفأ حلم.
كلما أغلق الزمن بابًا في وجهي.
كنتُ أقول لنفسي:
اصبر.
ربما كان في الجهة الأخرى بابٌ لا تراه الآن.
ربما تركت لك المغادرة حكمةً لم تكن تراها.
أو سكينة.
أو بدايةٍ جديدة.
أو دعاءٍ لا ينقطع.
أو رحمةٍ أوسع مما ظننت.
لهذا أحببتُ كلمة "القادمون".
لأنها لم تُلغِ وجع المغادرة، لكنها أعطته معنى.
لم تقل إن الوداع سهل، لكنها قالت إن الوداع ليس آخر السطر.
هناك دائمًا جهةٌ أخرى.
وبابٌ آخر.
وقلبٌ ينتظر.
ورحمةٌ أوسع.
وفي نهاية كل رحلةٍ صادقة، حين يظن الناس أن الحكاية انتهت، ربما تضيء في مكانٍ لا تراه العيون لوحةٌ خفية لا يقرأها إلا القلب:
القادمون.


























