إحسان الفقيه تكتب : كيف تنظر تركيا إلى إيران؟
نبأ الأردن -
- لا تنظر تركيا إلى إيران بعين واحدة....
لا تراها عدوا يمكن القطيعة معه...
ولا حليفا يمكن الاطمئنان إليه.. ولا جارا عاديا تكفي معه المجاملات الدبلوماسية...
تركيا تنظر إلى إيران بوصفها قَدرا جغرافيا ثقيلا: دولة كبيرة، عميقة، صبورة، ذات ذاكرة إمبراطورية، ومشروع إقليمي طويل النفس، تعرف كيف تنتظر، وكيف تتسلل على رؤوس أصابعها، وكيف تُحوّل الفوضى من حولها إلى نفوذ.
ولهذا فإن العلاقة بين أنقرة وطهران ليست علاقة حب ولا كراهية، بل علاقة حذر تاريخي....
إنها علاقة بين دولتين تعرف كل واحدة منهما أن الأخرى لن تختفي من الخريطة.
منذ العثمانيين والصفويين، لم يكن الخلاف بين الطرفين مجرد نزاع حدودي...
كان صراعا على معنى المنطقة:
من يقود؟ من يؤثر؟ من يرسم المجال الحيوي؟ ومن يملك القدرة على تحويل المذهب والتجارة والجغرافيا إلى سياسة؟
ومع أن الزمن تغير، فإن السؤال القديم لم يمت...
لقد تبدلت أسماء الجيوش، وتغيرت الرايات، وصارت المعارك أقل وضوحا من جالديران، لكنها لم تنته.
اليوم لا تتحرك تركيا وإيران دائما بالسيوف، بل بالممرات التجارية، وخطوط الطاقة، والميليشيات، والاتفاقيات، والإعلام، والحدود، واللاجئين، والخرائط الجديدة.
تركيا كانت ترى إيران في سوريا منافسا مباشرا على مستقبل الشام.... ولا زالت تراها كذلك..
وترى إيران في العراق لاعبا يحاول أن يجعل بغداد أقرب إلى طهران من أنقرة...
وترى إيران في القوقاز قوة قلقة من صعود أذربيجان ومن تمدد النفوذ التركي عبر العالم التركي...
وترى إيران في الخليج قوة تستخدم الأزمات لتذكير الجميع بأنها قادرة على إيذاء المجال الحيوي العربي والإقليمي....
لكن تركيا، في الوقت نفسه، لا تريد حربا مفتوحة مع إيران....
فالسياسة التركية أكثر براغماتية من الخطاب العاطفي الذي نسمعه....
أنقرة تعرف أن الصِدام المباشر مع طهران مكلف، وأن الحدود والجغرافيا والتجارة والطاقة تفرض نوعا من العقل البارد....
لذلك يمكن تلخيص النظرة التركية إلى إيران في عبارة واحدة:
"إيران خصم يجب احتواؤه، وجار يجب التعايش معه، ومنافس يجب منع تمدده، لا دولة يمكن حذفها من المعادلة.".
وهنا يظهر الفرق بين التفكير التركي والتفكير العربي الانفعالي...
كثير من العرب - أفراد وحكومات- وأنا منهم.. ينظرون إلى إيران من زاوية الغضب وحده، وهذا مفهوم بسبب ما فعلته إيران من جرائم في العراق وسوريا ولبنان واليمن والخليج....
لكن تركيا تنظر إليها من زاوية أوسع: زاوية الدولة التي تعرف أن العواطف لا تكفي لصناعة سياسة....
تركيا لا تسأل فقط: هل إيران خطرة؟
بل تسأل:
أين تتمدد إيران؟
ما كلفة هذا التمدد علينا؟
كيف نمنعه دون أن نفتح حربا لا نحتاجها؟
أين ننافسها؟ وأين نفاوضها؟
وأين نترك لها بابا مفتوحا كي لا تدفعها القطيعة إلى خيارات أشد خطورة؟
لهذا تبدو العلاقة أحيانا متناقضة....
تختلفان في سوريا، ثم تجلسان إلى طاولة واحدة.
تتنافسان في العراق، ثم تستمران في التجارة.
تتصادمان في القوقاز، ثم تتبادلان الرسائل الدبلوماسية.
تختلفان حول الميليشيات، ثم تتفقان على رفض تفكيك المنطقة بالكامل لصالح الفوضى أو الاحتلال أو التدخل الأجنبي....
= هذه ليست ازدواجية فقط، بل هي طبيعة العلاقات بين الدول الكبيرة...
الدول الصغيرة قد تعيش على الموقف الواحد...
أما الدول الكبيرة فتعيش على توازنات معقدة....
تركيا تعلم أن إيران ليست مجرد نظام سياسي، بل دولة عميقة ذات نفس طويل...
قد تضعف، لكنها لا تنهار بسهولة....
وقد تتراجع في ساحة، لكنها تبحث عن ساحة أخرى...
وقد تخسر ورقة، لكنها لا تكف عن صناعة أوراق بديلة....
ولهذا لا تراهن أنقرة على سقوط إيران، بل على ضبط قوتها...
ولا تراهن على عزلها تماما، بل على منعها من تحويل الجوار إلى حديقة خلفية لها.
وفي المقابل، إيران لا تنظر إلى تركيا بريبة منزوعة الأسباب....
هي ترى فيها وريثة مجال عثماني قديم، وقوة سُنية صاعدة، وجسرا إلى آسيا الوسطى، وحليفا لأذربيجان، ولاعبا يحاول أن يعود إلى الشرق الأوسط لا بوصفه تابعا للغرب، بل بوصفه مركزا مستقلا.
إيران تخاف من تركيا الناجحة أكثر مما تخاف من تركيا الغاضبة....
لأن تركيا الناجحة تقدم نموذجا مختلفا للمسلمين: دولة ذات اقتصاد، وصناعة، وانتخابات، ونفوذ ناعم، وصلات واسعة بالغرب والشرق، وحضور في العالم العربي والإسلامي دون الحاجة إلى ميليشيات عابرة للدول.
وهنا جوهر التنافس الحقيقي....
- تركيا تقول للمنطقة: يمكن أن تكون قويا من خلال الدولة...
وإيران تقول للمنطقة: يمكن أن تكون مؤثرا من خلال الشبكات المسلحة والولاءات العابرة للحدود....
- تركيا تراهن على الطرق والموانئ والطاقة والتجارة والطائرات المسيّرة والشركات والدراما واللغة والتعليم.
وإيران تراهن غالبا على الميليشيا والعقيدة الأمنية والاختراق والصبر الطويل داخل المجتمعات المنهكة.
= لذلك تخشى أنقرة من إيران لا لأنها قوية فقط، بل لأنها تجيد العمل في الفراغ.
كلما ضعفت دولة عربية، دخلت إيران....
كلما انهارت مؤسسة، صنعت إيران بديلا تابعا لها.
كلما انكسر مجتمع، دخلت من بوابة الطائفة والخوف والسلاح.
وهذا بالضبط ما لا تريده تركيا على حدودها وفي مجالها الحيوي.
لكن تركيا أيضا لا تريد أن تتحول إلى رأس حربة في حرب الآخرين على إيران. فهي لا تريد أن تخدم إسرائيل، ولا أن تتحول إلى أداة أمريكية، ولا أن تدفع ثمن مواجهة لا تتحكم بمسارها....
لذلك تمشي أنقرة على حبل دقيق:
- تعارض التمدد الإيراني... لكنها لا تريد انهيار إيران....
- تنافس طهران... لكنها لا تريد حربا شاملة معها...
- تقترب من الخليج.... لكنها لا تقطع خيوطها مع إيران.
- تدعم أذربيجان.... لكنها تحاول منع القوقاز من الاشتعال الكامل.
- تستثمر في سوريا الجديدة.... لكنها تعرف أن إيران لن تخرج من الذاكرة السورية بسهولة.
= هذه هي السياسة التركية كما هي، لا كما يريدُها العاطفيون...
ليست سياسة ملائكة. ... وليست سياسة شعارات...
إنها سياسة دولة تعرف أن الجغرافيا أقوى من الحماسة، وأن التاريخ أطول من التصريحات، وأن الجار الكبير لا يعامل بمنطق اللعنة فقط، بل بمنطق الاحتواء والمنافسة وإدارة الخطر.
ومن هنا يمكن فهم نظرة تركيا إلى إيران في ثلاث طبقات:
الطبقة الأولى: الذاكرة....
تركيا لا تنسى أن التنافس مع إيران أقدم من الجمهورية التركية نفسها...
إنه سابق على أردوغان، وسابق على الخميني، وسابق على الحدود الحديثة.
الطبقة الثانية: الأمن....
تركيا ترى أن نفوذ إيران في سوريا والعراق والميليشيات العابرة للحدود ليس قضية عربية بعيدة، بل تهديد يمس أمنها القومي، وحدودها، والملف الكردي، والطاقة، والهجرة، والتوازن الإقليمي.
الطبقة الثالثة: الفرصة....
تركيا تدرك أن تراجع إيران في بعض الساحات يفتح أمامها أبوابا كبرى: في سوريا، وفي العراق، وفي القوقاز، وفي خطوط التجارة والطاقة، وفي إعادة تشكيل النظام الإقليمي.
لكنها، وهي تفعل ذلك، لا تريد استفزاز الوحش إلى درجة الفوضى...
وفي النهاية أقول:
تركيا لا تنظر إلى إيران بوصفها مشكلة فقط، بل بوصفها معادلة...
والمعادلات لا تُشتم...
المعادلات تُفهم .. ثم تُدار !
تركيا لا تريد إيران منتصرة على المنطقة... ولا تريد إيران منهارة تشعل المنطقة.
تريدها محاصرة داخل حدود تأثير مقبول، مشغولة بتوازناتها، غير قادرة على ابتلاع العواصم العربية، ولا على تهديد المجال التركي، ولا على تحويل الفوضى إلى إمبراطورية ظل....
هذه هي النظرة التركية العميقة إلى إيران:
لا ثقة كاملة....
لا قطيعة كاملة....
لا حرب مفتوحة....
لا تسليم بالنفوذ....
بل تنافس طويل، بارد أحيانا، ساخن أحيانا، بين دولتين تعرفان أن التاريخ لم يغادر الطاولة بعد...
==
إحسان الفقيه
أنقرة


























