نضال أنور المجالي يكتب: بين "تنظير" الخارج و"لايكات" الداخل.. كفى متاجرةً بالوطن!
نبأ الأردن -
لم يعد الأمر مجرد تحليل سياسي أو قراءة في المشهد العام؛ بل تحول إلى ظاهرة مرَضية تُثير الغثيان. أصبحنا نستمع يومياً إلى "منظرين" و"محللين" يقيمون خارج البلاد، يتحدثون بنبرة الواثق العارف، كأنهم يعيشون في مكاتب المسؤولين، أو يشاركونهم طاولات صنع القرار! يعلمون بالصغيرة والكبيرة، ويبثون معلومات وتفاصيل يزعمون فيها أنهم يسبقون الوزير والمدير في معرفتها.
إلى هؤلاء نقول بملء الفم: لقد مللناكم، ومللنا تباكيكم المصطنع.
لكن العتب الحقيقي واللوم الأكبر ليس على من يبيع الوهم من خلف الحدود، بل على "جمهور الداخل" الذي يمنح هؤلاء شرعية لا يستحقونها. العتب على كل من يضع "لايك"، أو يشارك مقطعاً، أو يرسل لهم على "الخاص" مؤيداً ومصفقاً. إن كل شخص يدعم هؤلاء ويمجدهم، لا يختلف عنهم بشيء؛ فهو يساهم في نشر طاقة الإحباط والتشكيك، ويمنح منصة مجانية لمن غادروا الميدان واكتفوا بالفرجة والتنظير.
وهنا يبرز سؤال جوهري واختبار حقيقي نضعه في وجه هؤلاء المغتربين في صالوناتهم الدافئة: لو كنتم اليوم على أرض الوطن، أو لو جرت الرياح بما تشتهي سفنكم وجلستم على "كرسي المسؤولية"، هل سيكون تحايلكم وتباكيكم هو نفسه؟ أم أن بريق الكرسي سيغير النبرة؟
إن من السهل جداً إلقاء المواعظ وتوزيع صكوك الوطنية والنزاهة وأنت تجلس على بعد آلاف الأميال، بعيداً عن ضغوط الواقع وجمر الأزمات. لكن المفارقة العجيبة، أن الواحد من هؤلاء يخرج ليعطي دروساً في إدارة الدولة وهو في حقيقته "لا يمون على زوجته"، وكان فاشلاً حتى في فراشه وبيته، ومع ذلك، يريد اليوم أن يصنع لنفسه "نجاحاً" مشوهاً عبر الإساءة للوطن والتشكيك بمؤسساته!
كفاكم تنظيراً، وكفاكم متاجرةً بوعي الناس. الوطن ليس ساحة للمناظرات والاستعراض الرقمي لزيادة المشاهدات وتجميع "الإعجابات". وقبل أن تنظروا على الدولة، وتوزعوا خطط الإصلاح يميناً وشمالاً، التفتوا إلى بيوتكم؛ فإصلاح الذات والأسرة، ومعالجة الفشل الشخصي أولى بكثير من إعطاء الدروس لوطن يمر بأزماته ويعبرها بعزيمة أبنائه الصامدين فيه، لا بنظريات الراحلين عنه.
الوطن يحتاج إلى سواعد تبني على أرضه، لا إلى حناجر تعوض نقصها وفشلها من فضاءات الآخرين


























