جهاد مساعدة يكتب: صواريخُ الغدرِ وأوهامُ الفُرس
نبأ الأردن -
في حياةِ الأممِ لحظاتٌ نادرةٌ لا تُقاسُ بالساعاتِ والأيام، بل بما تكشفُهُ من حقائق، وما تُظهرُهُ من معادنِ الرجال، وما تفضحُهُ من أوهامِ الطامعين. ففي تلك اللحظاتِ يسقطُ القناعُ عن الوجوه، ويُعرَفُ الثابتُ من الزائل، ويظهرُ الفرقُ بين وطنٍ ضاربٍ بجذورِه في أعماقِ التاريخ، ومشروعٍ عابرٍ لا يعيشُ إلا على الفتنةِ والاضطراب.
لقد ابتُلِيَت هذه الأمةُ بمشاريعَ تتنازعُ جغرافيتَها وتُثقِلُ حاضرَها؛ بمشروعٍ توسُّعيٍّ يطلُّ عليها من الشرق، ومشروعٍ احتلاليٍّ جاثمٍ على صدرِها من الغرب. يختلفانِ في الأسماءِ والرايات، لكنهما يلتقيانِ في النتيجة؛ استنزافُ الأوطان، وإشغالُ الشعوب، وإدامةُ دوائرِ الصراع. فذاك يتَّخذُ من الشعاراتِ غطاءً لأطماعِه، وهذا يتَّخذُ من القوةِ مبررًا لاحتلالِه، وكلاهما لا يرى في هذه الأمةِ إلا ساحةً لتحقيقِ مشاريعِه.
وحين استهدفت صواريخُ الغدرِ الفارسيةُ عددًا من الدولِ العربية، ومنها الأردن، لم تكن مجرَّدَ مقذوفاتٍ عابرةٍ في الفضاء، بل كانت رسائلَ تهديدٍ محمَّلةً بوهمِ القوة، وباعتقادِ أصحابِها أنَّ وهجَ النارِ قادرٌ على إخمادِ نورِ الإرادة، وأنَّ الترويعَ أبلغُ أثرًا من العزيمة.
إنّ أخطرَ ما في المشروعِ الفارسيِّ أنَّه يتَّخذُ من فلسطينَ شعارًا، ومن معاناةِ شعبِها غطاءً، بينما يُسخِّرُ القضيةَ لخدمةِ مصالحِه وأجنداتِه. فالقضيةُ عنده وسيلةُ نفوذٍ أكثرَ منها رسالةَ عدالة، ورايةٌ تُرفعُ عند الحاجةِ إلى التبرير، وتُستحضَرُ كلما افتقرَ إلى الحُجَّة. وهكذا تتحوَّلُ آلامُ الفلسطينيين في خطابِه إلى مادةٍ للمزايدة، لا إلى مشروعٍ حقيقيٍّ للتحرير.
غير أن أصحابَ المشروعِ الفارسيّ لم يدركوا بعدُ حقيقةً أثبتها التاريخُ مرارًا: فالأوطانُ لا تُقاسُ بمساحاتها، بل بما تختزنُهُ من كرامة، ولا تُوزَنُ بما تملكُهُ من ثروات، بل بما تُنجبُهُ من رجال، ولا تُصانُ بما يُقالُ عنها، بل بما يُبذَلُ في سبيلِها.
وهنا يكمنُ سرُّ الأردن.
فهذا الوطنُ ما اتكأ يومًا على كثرةِ الموارد، بل على إرادةِ الرجال، وما استمدَّ بقاءَه من وفرةِ الإمكانات، بل من الإيمانِ برسالتِه. وقد شادت مجدَه القيادةُ الهاشميةُ التي حملت أمانةَ الدولةِ بعزمٍ وبصيرة، ورسَّخت شرعيتَها بالإنجاز، وهيبتَها بالحكمة، ومكانتَها بالاعتدال. فمنذ فجرِ التأسيسِ إلى يومِنا هذا، ظلَّت صمَّامَ أمانِ الوطن، وحارسةَ وحدتِه، وقائدةَ مسيرتِه، فحفظت الأردنَّ قويًّا في ثوابتِه، ثابتًا في مواقفِه، واثقًا بخطاه في عالمٍ تضطربُ فيه الموازين.
ولذلك بقيَ الأردنُّ عصيًّا على الانكسار؛ مرَّت عليه العواصفُ فثبت، وأحاطت به الأزماتُ فتماسك، وتكاثرت حوله الفتنُ فازدادَ يقينًا بنفسه. وكأنَّ لهذا الوطنِ قدرةً استثنائيةً على تحويلِ المحنةِ إلى منعة، والتحدي إلى فرصة.
أمَّا أولئك الذين ما زالوا يفتشون في ركامِ القرونِ الغابرةِ عن أمجادٍ مفقودة، ويُحاولون استحضارَ إمبراطورياتٍ طواها التاريخُ، فإنهم لا يُدركون أنَّ المشاريعَ المأزومةَ لا تلجأُ، عند إفلاسِ الحُجَّةِ، إلا إلى لَغَطِ التهديدِ والوعيد، ولا تستعينُ، عند عجزِها عن صناعةِ المستقبلِ، إلا بأدواتِ الخوفِ والترويع.
وفي المقابل، أثبتَ الجيشُ العربيُّ مرةً أخرى أنَّه ليس حارسَ حدودِ الوطنِ فحسب، بل حارسُ فكرةٍ اسمُها الأردن؛ فكرةٌ قامت على الشرفِ والواجبِ والانتماءِ، وترسَّخت بدماءِ الشهداءِ وجهودِ المخلصين، حتى غدت جزءًا من وجدانِ الأمةِ وذاكرتِها. وحين دقَّت ساعةُ المسؤولية، كان رجالُه على العهدِ كما كانوا دائمًا؛ ساهرين على أمنِ الوطن، قائمين بواجبِهم في سكينةِ الواثقين، يكتبون مواقفَهم بفعلِ الرجالِ لا بأقوالِ البطولة.
وسيظلُّ الفرقُ واضحًا بين وطنٍ يبني، ومشروعٍ يهدم؛ بين دولةٍ تصنعُ الحياة، وقوى لا تُتقنُ إلا صناعةَ الأزمات؛ بين رجالٍ يحملون أوطانَهم في قلوبِهم، وآخرين يُحمِّلون الأمةَ أثمانَ أوهامِهم.
ولهذا فإنَّ نَباحَ المجوسِ، مهما علا واشتدَّ، لن يكونَ إلا صدى يتلاشى في فضاءِ التاريخ. أمَّا الأردنُ، فسيبقى كما كان دائمًا، في ظلِّ قيادتِه الهاشميةِ: وطنًا راسخًا كجذورِه، شامخًا كرايتِه، ثابتًا كعهدِ أبنائِه، ماضيًا إلى المستقبلِ بثقةِ دولةٍ راسخة، وحكمةِ قيادةٍ بصيرة، وإرادةِ شعبٍ لا يعرفُ إلا الانتماءَ والوفاء.
فأمَّا نَباحُ الفتنةِ فإلى أفول، وأمَّا الأردنُّ فإلى بقاءٍ لا يزول، ومجدٍ لا يأفل، ورايةٍ تظلُّ خفَّاقةً ما بقيَ في الأرضِ رجالٌ يحمِلون العهدَ ويصونون الوطن.


























