اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

د. سعيد محمد ابو رحمه يكتب: بين السيادة والاستقرار.. كيف تحولت ذكرى الجلوس الملكي إلى عنوان لرسائل الأردن الاستراتيجية؟

د. سعيد محمد ابو رحمه يكتب: بين السيادة والاستقرار.. كيف تحولت ذكرى الجلوس الملكي إلى عنوان لرسائل الأردن الاستراتيجية؟
نبأ الأردن -
جاء التصدي الأردني للمقذوفات والطائرات المسيّرة التي عبرت أجواء المملكة خلال التصعيد العسكري الإيراني ليعيد تسليط الضوء على واحدة من أهم القواعد التي حكمت السياسة الأردنية خلال العقود الماضية، وهي أن حماية السيادة الوطنية تمثل أولوية مطلقة لا تخضع لحسابات المحاور الإقليمية أو توازنات الصراع الدائر في المنطقة. وفي ظل تزامن هذه التطورات مع ذكرى جلوس جلالة الملك عبدالله الثاني على العرش، بدا المشهد وكأنه يقدم نموذجاً عملياً لمسار سياسي وأمني امتد لأكثر من ربع قرن، نجح خلاله الأردن في تثبيت معادلة صعبة تجمع بين الانخراط في قضايا الإقليم والدفاع عن المصالح الوطنية في آن واحد.
فالشرق الأوسط يعيش اليوم واحدة من أكثر مراحله اضطراباً منذ سنوات طويلة. الحرب في غزة ما زالت تلقي بظلالها على المشهد الإقليمي، والتوتر بين ايران وامريكا وإسرائيل يتخذ أشكالاً غير مسبوقة، فيما تتزايد المخاوف من انزلاق المنطقة نحو مواجهات أوسع قد تشمل أكثر من جبهة وأكثر من دولة. وفي خضم هذه البيئة المضطربة، يجد الأردن نفسه بحكم موقعه الجغرافي والسياسي في قلب الأحداث، مما يجعله أكثر الدول إدراكاً لحجم المخاطر المترتبة على أي توسع في دائرة الصراع.
فيمكن فهم قرار التصدي للمقذوفات العابرة للأجواء الأردنية باعتباره قراراً سيادياً بامتياز. فالمملكة لم تتعامل مع الحدث من زاوية الاصطفاف إلى جانب هذا الطرف أو ذاك، وإنما من منطلق حماية المجال الجوي الأردني ومنع تحويل البلاد إلى ممر أو ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية. وقد حمل هذا الموقف رسالة واضحة مفادها أن الأردن لن يسمح لأي جهة كانت بفرض وقائع أمنية جديدة على أراضيه أو المساس باستقلالية قراره الوطني.
لكن أهمية هذه الرسالة لا تكمن فقط في بعدها الأمني، بل أيضاً في توقيتها السياسي. فمع احتفال المملكة بذكرى الجلوس الملكي، أعاد الحدث التذكير بجوهر الرؤية التي قادت الدولة الأردنية خلال عهد الملك عبدالله الثاني، وهي رؤية قامت على الحفاظ على توازن دقيق بين متطلبات الأمن الوطني وبين الالتزامات السياسية والأخلاقية تجاه قضايا المنطقة، وعلى رأسها القضية الفلسطينية والذي كان فعلاً وموقفا وليس شعارات هدامة.
فالأردن لم يكن يوماً دولة هامشية في معادلات الشرق الأوسط، بل ظل لاعباً أساسياً في ملفات الأمن الإقليمي وعملية السلام والجهود الدبلوماسية الرامية إلى احتواء الأزمات. وفي الوقت نفسه، حافظ على موقف ثابت في الدفاع عن الحقوق الفلسطينية ورفض المشاريع التي تستهدف تصفية القضية أو تغيير هوية القدس أو المساس بالمقدسات الإسلامية والمسيحية فيها. ومع ذلك فإن هذا الانخراط السياسي لم يكن على حساب الأمن الوطني الأردني، بل جرى دائماً ضمن معادلة واضحة تجعل مصلحة الدولة واستقرارها في مقدمة الأولويات.
وخلال السنوات التي تلت تولي الملك عبدالله الثاني سلطاته الدستورية، واجه الأردن تحديات غير مسبوقة. فقد شهدت المنطقة سقوط أنظمة سياسية، واندلاع حروب أهلية، وصعود تنظيمات متطرفة، وانهيارات اقتصادية وأمنية في عدد من الدول المجاورة. ومع ذلك، تمكنت المملكة من الحفاظ على استقرارها السياسي ومؤسساتها الأمنية والعسكرية، وهو إنجاز لا يمكن فصله عن النهج الذي اعتمد على بناء مؤسسات قوية، وتعزيز جاهزية القوات المسلحة والأجهزة الأمنية، وتطوير شبكة واسعة من العلاقات الإقليمية والدولية التي ساعدت الأردن على مواجهة التحديات المتلاحقة.
إن التصدي للهجمات العابرة للأجواء الأردنية يمثل أكثر من مجرد إجراء دفاعي. فهو يعكس جاهزية الدولة وقدرتها على اتخاذ القرار السريع والحاسم عندما يتعلق الأمر بأمنها القومي. كما يعكس ثقة المؤسسة العسكرية والأمنية بقدراتها على التعامل مع التهديدات المتطورة التي أصبحت سمة أساسية للصراعات الحديثة، سواء كانت صواريخ أو طائرات مسيّرة أو أشكالاً أخرى من الحروب غير التقليدية.
وعلى المستوى الإقليمي بعث الأردن برسالة مفادها أن الحفاظ على الاستقرار لا يتحقق عبر توسيع رقعة المواجهات، وإنما عبر احترام سيادة الدول وعدم الزج بها في صراعات الآخرين. فالمملكة تدرك أن أي انزلاق نحو حرب إقليمية شاملة ستكون له انعكاسات مباشرة على أمن المنطقة واقتصاداتها واستقرارها السياسي. ولذلك، تواصل الدعوة إلى الحلول السياسية والدبلوماسية باعتبارها الخيار الوحيد القادر على منع المزيد من التصعيد.
كما أن الحدث كشف جانباً مهماً من طبيعة الدور الأردني في المنطقة. فعمّان لا تسعى إلى لعب أدوار صدامية أو الدخول في محاور متنافسة، لكنها في الوقت نفسه ترفض أن تكون متلقية لتداعيات الأزمات دون امتلاك القدرة على حماية مصالحها. وهذا التوازن بين الحضور السياسي والحزم الأمني أصبح أحد أبرز ملامح السياسة الأردنية خلال العقود الأخيرة.
ولعل ما يميز التجربة الأردنية أنها نجحت في تحويل الاستقرار إلى عنصر قوة استراتيجية. ففي منطقة تعاني من الاضطرابات المتكررة، أصبح استقرار الأردن عاملاً أساسياً في تعزيز مكانته الإقليمية والدولية. وقد ساهم ذلك في ترسيخ صورة المملكة كشريك موثوق في ملفات الأمن ومكافحة الإرهاب والوساطة السياسية، وكدولة تمتلك القدرة على الجمع بين الاعتدال السياسي والجاهزية الأمنية.
إن تزامن التصدي الأردني للهجمات العابرة للأجواء مع ذكرى جلوس الملك عبدالله الثاني على العرش يمنح الحدث أبعاداً تتجاوز اللحظة الراهنة. فهو يعكس مسيرة دولة اختارت منذ سنوات طويلة أن تبني قوتها على مؤسساتها واستقرارها وسيادتها الوطنية، وأن توازن بين مسؤولياتها الإقليمية ومصالحها الوطنية. كما يؤكد أن الأردن، رغم كل التحولات التي شهدتها المنطقة، ما زال متمسكاً بمعادلته الأساسية: الدفاع عن السيادة دون الانجرار إلى الحروب، والانخراط في قضايا الأمة دون التفريط بأمن الدولة، والحفاظ على الاستقرار باعتباره الركيزة الأولى لبقاء الدولة ودورها ومكانتها في محيط إقليمي شديد الاضطراب.
تابعوا نبأ الأردن على Google News
تصميم و تطوير Vertex Web Solutions