اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

د. أمجد الفاهوم يكتب:الأمير الحسن والجامعة الألمانية الأردنية والحكمة الهاشمية التي تصنع المستقبل بالمعرفة

د. أمجد الفاهوم يكتب:الأمير الحسن والجامعة الألمانية الأردنية والحكمة الهاشمية التي تصنع المستقبل بالمعرفة
نبأ الأردن -
ليست بعض الزيارات مجرد محطة بروتوكولية عابرة في سجل المؤسسات، بل تتحول إلى رسالة فكرية عميقة تعيد توجيه البوصلة نحو الأولويات الوطنية الكبرى. ومن هذا المنطلق يمكن قراءة زيارة صاحب السمو الملكي الأمير الحسن بن طلال المعظم إلى الجامعة الألمانية الأردنية، بوصفها تأكيداً جديداً على أن مستقبل الأردن يبدأ من الإنسان، وأن الاستثمار الحقيقي لا يكون في الموارد المادية وحدها، بل في بناء العقل القادر على إنتاج المعرفة وتحويلها إلى قيمة اقتصادية واجتماعية وإنسانية.

فعلى امتداد عقود طويلة، ارتبط اسم سمو الأمير الحسن بمشروع فكري وتنموي متكامل يقوم على مركزية الإنسان في عملية التنمية، وعلى الإيمان بأن المجتمعات لا تُقاس بما تملكه من موارد طبيعية بقدر ما تُقاس بما تمتلكه من قدرة على إنتاج الأفكار وصناعة الحلول واستشراف المستقبل. ولعل هذا ما يجعل اهتمام سموه بمؤسسات التعليم العالي يتجاوز حدود الدعم المعنوي إلى تبني رؤية استراتيجية ترى في الجامعات خزانات للعقول ومنصات للتجديد ومراكز لإنتاج السياسات والمعرفة.

وفي هذا السياق، تأتي الجامعة الألمانية الأردنية نموذجاً يستحق التأمل والبناء عليه. فهي لم تكتفِ بتقديم برامج أكاديمية تقليدية، بل سعت إلى ترسيخ فلسفة تعليمية تقوم على الربط بين المعرفة النظرية والتطبيق العملي، وبين البحث العلمي واحتياجات التنمية، وبين الجامعة وسوق العمل. وهي معادلة طالما دعا إليها الأمير الحسن حين تحدث عن ضرورة الانتقال من ثقافة استهلاك المعرفة إلى ثقافة إنتاجها وتوطينها وتسخيرها لخدمة الإنسان والمجتمع.

إن ما يلفت الانتباه في مضامين الزيارة ليس الحديث عن الإنجازات الأكاديمية فحسب، بل التركيز على منظومة الابتكار وريادة الأعمال ونقل التكنولوجيا والشراكات الوطنية والدولية. فهذه العناصر تمثل اليوم الركائز الأساسية للاقتصادات الحديثة التي لم تعد تعتمد على وفرة الموارد بقدر اعتمادها على جودة المعرفة وكفاءة رأس المال البشري.

لقد كان الأمير الحسن من أوائل الأصوات التي نادت بضرورة بناء اقتصاد المعرفة في المنطقة العربية، مؤكداً أن التنمية الحقيقية لا تتحقق بالمشاريع المنفردة أو بالحلول المؤقتة، وإنما من خلال بناء منظومات متكاملة تجمع التعليم والبحث العلمي والإنتاج والقطاع الخاص في إطار من الشراكة والتكامل والاعتماد المتبادل. ومن هنا تبرز أهمية ما تقوم به الجامعة الألمانية الأردنية من بناء جسور التعاون بين الأكاديميا والصناعة، وبين المختبرات والأسواق، وبين الفكرة ومنتجها النهائي.

وفي عالم يشهد تحولات غير مسبوقة بفعل الذكاء الاصطناعي والثورة الصناعية الرابعة والتقنيات الحيوية والتحول الرقمي، لم يعد السؤال المطروح هو كيف نلحق بالآخرين، بل كيف نشارك في صناعة المستقبل. وهنا تكمن الرسالة الجوهرية للجامعة الحديثة؛ أن تكون منتجة للمعرفة لا مستهلكة لها، ومولدة للحلول لا ناقلة لها، وقادرة على تحويل التحديات إلى فرص والنظريات إلى تطبيقات ذات أثر ملموس.

كما تعكس الزيارة بعداً آخر لطالما حضر في فكر الأمير الحسن، وهو العلاقة العضوية بين التعليم والتنمية الإنسانية. فالتعليم في جوهره ليس مجرد تأهيل لسوق العمل، بل بناء للوعي وتعزيز للكرامة الإنسانية وترسيخ لقيم المواطنة والانفتاح والحوار. وعندما تمتلك الجامعات القدرة على تخريج شباب يمتلكون المعرفة والكفاءة والأخلاق المهنية وروح المبادرة، فإنها تسهم بصورة مباشرة في تعزيز منعة الدولة واستقرار المجتمع وقدرته على مواجهة التحديات.

ومن يتابع مسيرة سمو الأمير الحسن الفكرية يدرك أن مفهوم التنمية لديه يتجاوز الأرقام والمؤشرات الاقتصادية ليشمل بناء الإنسان القادر على التفكير النقدي والإبداع والتفاعل الإيجابي مع محيطه. ولهذا جاءت إشادته بالجامعة الألمانية الأردنية وكأنها دعوة وطنية متجددة إلى تعزيز دور الجامعات بوصفها مؤسسات لإنتاج الأمل وصناعة الفرص وتوجيه الطاقات نحو العمل والإنتاج والابتكار.

إن الأردن اليوم، في ظل التحديات الاقتصادية والمتغيرات الإقليمية والدولية المتسارعة، يحتاج أكثر من أي وقت مضى إلى مؤسسات تعليمية قادرة على قيادة التحول نحو اقتصاد أكثر إنتاجية وتنافسية. ويحتاج كذلك إلى بيئات جامعية تتحول فيها المعرفة إلى مشاريع، والأفكار إلى شركات ناشئة، والبحوث إلى حلول عملية تسهم في معالجة قضايا المياه والطاقة والصحة والصناعة والبيئة.

وفي هذا الإطار، تبدو زيارة الأمير الحسن للجامعة الألمانية الأردنية رسالة تتجاوز حدود الحرم الجامعي لتخاطب المجتمع بأسره. إنها دعوة إلى إعادة الاعتبار للعلم، وإلى ترسيخ ثقافة الإبداع، وإلى بناء شراكات حقيقية بين التعليم والاقتصاد، وإلى الإيمان بأن الأمم التي تستثمر في عقول أبنائها هي وحدها القادرة على صناعة مستقبلها.

ويبقى الدرس الأهم أن المعرفة لم تعد اطارا فكرياً ولا نشاطاً نخبوياً معزولاً، بل غدت ركيزة القوة الوطنية ومصدر الثروة المستدامة وأساس النهضة الشاملة. وحين يلتقي الفكر الاستراتيجي المستنير الذي يمثله الأمير الحسن مع مؤسسات أكاديمية رائدة تمتلك رؤية عالمية ورسالة وطنية، فإن ذلك يجسد نموذجاً تنموياً واعداً يؤكد أن بناء المستقبل يبدأ من الإنسان، وأن ترسيخ مكانة الوطن في عالم متغير لا يتحقق إلا بالاستثمار في العلم والمعرفة، باعتبارهما السبيل الأوثق إلى التقدم والازدهار.
تابعوا نبأ الأردن على Google News
تصميم و تطوير Vertex Web Solutions