د علي الطراونة يكتب: الإصلاح الإداري يبدأ من هنا
نبأ الأردن -
تتجه الحكومة في هذه المرحلة إلى تنفيذ حزمة من إجراءات إعادة الهيكلة الإدارية، وفي مقدمتها الحديث عن دمج المؤسسة الاستهلاكية المدنية والمؤسسة الاستهلاكية العسكرية. ومن حيث المبدأ، فإن أي خطوة من شأنها ترشيد الإنفاق، وتعزيز الكفاءة، وتوحيد الجهود الوطنية، هي خطوة تستحق الدعم والتأييد، لأن المصلحة الوطنية العليا يجب أن تبقى البوصلة التي نهتدي بها جميعاً.
غير أن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: هل يقتصر الإصلاح الإداري على دمج مؤسستين تقدمان خدمات متشابهة، أم أن الإصلاح الحقيقي يبدأ من معالجة التشوهات الإدارية الأعمق التي أثقلت كاهل الدولة وموازنتها على مدار سنوات طويلة؟
إذا كانت الحكومة جادة في مسار التحديث والتصحيح الإداري، فإن الأولى بالمعالجة هي الهيئات المستقلة التي تكاثرت حتى أصبحت في بعض الأحيان تشكل عبئاً مالياً وإدارياً على خزينة الدولة. فهذه الهيئات تستنزف مبالغ طائلة من الموازنة العامة، وتستهلك موارد كان الأجدر توجيهها إلى القطاعات الإنتاجية والخدمية التي تمس حياة المواطنين بشكل مباشر.
ولا يخفى على أحد أن كثيراً من هذه الهيئات تمارس أعمالاً يمكن أن تؤديها الوزارات المعنية بكفاءة واقتدار، بل إن بعضها يعمل ضمن الاختصاصات ذاتها التي تضطلع بها الوزارة الأم. وهنا يبرز التساؤل المشروع: ما الداعي لوجود أكثر من هيئة ضمن إطار الوزارة الواحدة؟ وما المبرر لاستمرار هذا التوسع الإداري الذي يخلق ازدواجية في الصلاحيات، وتداخلاً في المسؤوليات، وتضخماً في النفقات؟
إن دمج هذه الهيئات مع وزاراتها الأصلية قد يكون المدخل الأكثر منطقية للإصلاح، خصوصاً إذا كان إلغاؤها أمراً صعباً أو غير مطروح في المرحلة الحالية. فالإدارة الرشيدة لا تقاس بعدد المؤسسات والهيئات، بل بقدرتها على تحقيق النتائج بأقل كلفة وأعلى درجات الكفاءة والشفافية.
إن الوطن اليوم بحاجة إلى قرارات إصلاحية شجاعة لا تستثني أحداً، وإلى رؤية متكاملة تتعامل مع جذور المشكلة لا مع مظاهرها فقط. فالإصلاح الحقيقي لا يكون انتقائياً، ولا يكتفي بالخطوات السهلة، بل يذهب إلى حيث مكامن الهدر والازدواجية والترهل الإداري.
نحن مع الدمج عندما يخدم الوطن، ومع إعادة الهيكلة عندما تحقق وفراً حقيقياً في المال العام، وتعزز كفاءة المؤسسات، وترسخ مبادئ العدالة والحوكمة الرشيدة. أما إذا كان الهدف هو الاكتفاء بإجراءات محدودة وترك الملفات الأكبر دون معالجة، فإننا سنبقى ندور في الحلقة ذاتها، بعيداً عن التحديث الإداري الذي ننشده جميعاً.
إن المرحلة تقتضي أن تكون المصلحة الوطنية فوق كل اعتبار، وأن يكون معيار بقاء أي مؤسسة أو هيئة هو مقدار ما تضيفه للوطن من قيمة حقيقية، لا مقدار ما تستهلكه من موارد. وعندها فقط يمكن القول إننا نسير بثبات نحو دولة أكثر كفاءة، وإدارة أكثر رشاقة، ومستقبل أكثر قدرة على مواجهة التحديات .
تحياتي
د علي الطراونة

























