صلاح طه عبيدات يكتب: هل تكفي زيادة الرواتب لإنعاش الاقتصاد؟
نبأ الأردن -
كلما أُعلنت زيادة على الرواتب أو المعاشات التقاعدية، تتجدد حالة من التفاؤل المشروع لدى المواطنين، فالأعباء المعيشية تتزايد، والأسعار تواصل صعودها، والقدرة الشرائية تتعرض لضغوط مستمرة. غير أن القراءة الاقتصادية الرصينة تقتضي التمييز بين الأثر الاجتماعي المباشر للقرار، وبين ما يُروج له أحيانًا من آثار اقتصادية كلية قد تكون أكبر بكثير من الواقع الفعلي.
فليس كل إنفاق حكومي إضافي استثمارًا منتجًا، وليس كل زيادة في الدخول قادرة تلقائيًا على تحريك عجلة النمو أو إحداث تحول اقتصادي ملموس.
أولاً: هل الـ 250 مليون دينار أموال جديدة حقًا؟
يُقدَّم الرقم وكأنه ضخ جديد للسيولة في الاقتصاد، لكن السؤال الجوهري هو: من أين ستأتي هذه الأموال؟
إذا كانت الزيادة ممولة من وفر حقيقي ناتج عن إصلاحات إدارية وهيكلية مستدامة، فإن أثرها يختلف جذريًا عما لو كانت ممولة من الاقتراض أو من نقل الإنفاق من بنود تنموية واستثمارية إلى بنود جارية واستهلاكية.
فالاقتصاد لا يقيس حجم الأموال التي تُنفق فقط، بل يقيس كذلك مصدرها وكلفتها البديلة. وكل دينار يُحوَّل من مشروع إنتاجي أو بنية تحتية أو استثمار رأسمالي إلى إنفاق استهلاكي مباشر قد يحقق راحة آنية، لكنه قد يضعف قدرة الاقتصاد على خلق وظائف ودخول مستدامة مستقبلاً.
ثانياً: المبالغة في مفهوم "المضاعف الاقتصادي"
يستند كثير من المدافعين عن مثل هذه القرارات إلى نظرية المضاعف الاقتصادي، لكن تطبيقها في الاقتصادات النامية والمفتوحة ليس بهذه البساطة.
فجزء كبير من الإنفاق الاستهلاكي الإضافي يذهب إلى سلع مستوردة، ما يعني أن جزءًا من الأموال يغادر الاقتصاد الوطني مباشرة ولا يدور داخله كما يُفترض نظريًا.
عندما يشتري المواطن هاتفًا مستوردًا، أو أجهزة كهربائية مستوردة، أو منتجات غذائية مستوردة، فإن المستفيد الأكبر قد يكون المنتج الخارجي لا الاقتصاد المحلي.
وبالتالي فإن حجم المضاعف الاقتصادي الحقيقي قد يكون أقل بكثير مما يُصوَّر في الخطاب الدعائي المتفائل.
ثالثاً: زيادة الاستهلاك لا تعني بالضرورة زيادة الإنتاج
هناك افتراض شائع مفاده أن زيادة الطلب ستؤدي تلقائيًا إلى زيادة الإنتاج والتشغيل.
لكن هذا الافتراض يتجاهل حقيقة أن كثيرًا من القطاعات الاقتصادية تعاني أصلًا من تحديات هيكلية تتعلق بكلفة الإنتاج والطاقة والتمويل والتنافسية.
فإذا ارتفع الطلب ولم تكن المنشآت قادرة على التوسع أو الاستثمار أو التوظيف، فإن النتيجة قد تكون ارتفاعًا في الأسعار بدلًا من ارتفاع الإنتاج.
وهنا يتحول جزء من الزيادة الممنوحة للمواطن إلى تضخم يلتهم جزءًا من قيمتها الحقيقية.
رابعاً: هل العائد على الخزينة مكسب أم استرداد جزئي؟
يُقال إن الخزينة ستستعيد جزءًا من الأموال عبر الضرائب والرسوم.
وهذا صحيح من الناحية الحسابية، لكنه يطرح سؤالًا أكثر عمقًا:
إذا كانت الدولة ستستعيد جزءًا من الزيادة عبر الضرائب غير المباشرة، فإن المواطن في الواقع لن يحتفظ بالقيمة الكاملة للزيادة المعلنة.
كما أن استعادة الأموال عبر ضريبة المبيعات تعني أن المواطن يدفع جزءًا من تلك الزيادة مرة أخرى عند الاستهلاك، وهو ما يحد من أثرها الحقيقي على مستوى المعيشة.
خامساً: الإصلاح الحقيقي لا يُقاس بحجم الزيادات
الاقتصادات القوية لا تُبنى أساسًا على زيادة الرواتب الحكومية، بل على زيادة الإنتاجية الوطنية.
فالدولة التي تنجح في جذب الاستثمارات، وتوسيع القاعدة الإنتاجية، وتحفيز الابتكار، وتوليد فرص العمل المستدامة، تستطيع رفع الدخول بصورة طبيعية ومستدامة.
أما الاعتماد المتكرر على الزيادات النقدية كأداة رئيسية لتحسين الأوضاع المعيشية، فقد يعالج الأعراض مؤقتًا دون معالجة الأسباب الجذرية للمشكلة.
إن المواطن لا يحتاج فقط إلى ثلاثين دينارًا إضافية في نهاية الشهر، بل يحتاج إلى اقتصاد يوفر فرص عمل أفضل، وأسواقًا أكثر تنافسية، وخدمات عامة أكثر كفاءة، ونموًا حقيقيًا ينعكس على مستوى معيشته بصورة مستدامة.
سادساً: ما الذي غاب عن النقاش؟
النقاش العام انشغل بتوزيع الأموال، لكنه لم يتوقف كثيرًا عند الأسئلة الأكثر أهمية:
ما أثر القرار على عجز الموازنة مستقبلاً؟
ما أثره على الدين العام؟
هل التخفيض المعلن في النفقات التشغيلية دائم أم مؤقت؟
هل تمس إجراءات التخفيض جودة الخدمات الحكومية؟
ما حجم الزيادة الحقيقية بعد احتساب التضخم المتوقع خلال السنوات القادمة؟
هذه الأسئلة هي التي تحدد نجاح القرار أو فشله على المدى المتوسط والطويل، لا حجم المبلغ المعلن فقط.
لا خلاف على أن تحسين أوضاع الموظفين والمتقاعدين هدف وطني واجتماعي مشروع، ولا أحد يعارض تخفيف الأعباء عن المواطنين. لكن تحويل أي زيادة مالية إلى قصة نجاح اقتصادية مكتملة قبل قياس نتائجها الفعلية يمثل قفزًا على قواعد التحليل الاقتصادي الرصين.
فالفرق كبير بين قرار يحقق أثرًا اجتماعيًا مرحبًا به، وبين قرار يُحدث تحولًا اقتصاديًا حقيقيًا.
الاقتصاد لا يزدهر بمجرد ضخ الأموال في الأسواق، بل يزدهر عندما ترتفع الإنتاجية، وتتوسع الاستثمارات، وتزداد القدرة التنافسية، وتُخلق فرص العمل المستدامة.
أما الزيادات النقدية، مهما كانت أهميتها الاجتماعية، فتبقى علاجًا جزئيًا ما لم تُرافقها إصلاحات اقتصادية عميقة تعالج جذور التحديات لا مظاهرها فقط.


























