اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

عمر الدريني يكتب:حين يصبح الوطن معنى لا يُغادر القلب: سبعة وعشرون عامًا من الحضور الذي لا يغيب

عمر الدريني يكتب:حين يصبح الوطن معنى لا يُغادر القلب: سبعة وعشرون عامًا من الحضور الذي لا يغيب
نبأ الأردن -
هناك أوطان تُعرَّف بحدودها، وأخرى تُعرَّف بتجاربها، وقليل منها يُعرَّف بما يتركه في وجدان أبنائه من شعورٍ ثابت بأن الدولة ليست مجرد جغرافيا، بل فكرة حيّة تسكن الإنسان قبل أن يسكنها. وفي هذه اللحظات التي يستحضر فيها الأردنيون عيد الجلوس الملكي السابع والعشرين لجلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، حفظه الله، لا يبدو المشهد احتفالًا بحدثٍ عابر، بل استدعاءً لمعنى أعمق من الزمن ذاته: معنى الاستمرارية حين تتحول إلى وعي، ومعنى الثبات حين يصبح أسلوب حياة.

في مسيرة الدول، تمر السنوات كأرقام في سجل التاريخ، لكن بعضها يتحول إلى علامات فارقة تُعيد تشكيل الفهم العام للدولة، ليس فقط في بنيتها، بل في علاقتها مع الإنسان، وفي قدرتها على البقاء متماسكة رغم ما يحيط بها من اضطراب. ومن هذا المنظور، لا تُقرأ سبعة وعشرون عامًا كمدة زمنية، بل كطبقة من التجربة، تشكلت خلالها ملامح دولة اختارت أن تمشي بثبات بين العاصفة والاتزان، بين التحدي والاستجابة، بين الواقع والطموح.

لقد حملت هذه المرحلة رؤية ترى في الإنسان الأردني جوهر الدولة وغايتها، لا مجرد جزء من تفاصيلها. فالتنمية، في معناها الأعمق، ليست مشاريع تُنجز أو خططًا تُكتب، بل هي بناءٌ متواصل للوعي، وتمكينٌ للعقل، وفتحٌ للآفاق أمام جيلٍ جديد يؤمن بأن مستقبله لا يُمنح له، بل يصنعه بيده. ومن هنا، جاء التركيز على التعليم، والشباب، والمرأة، والإصلاح، بوصفها مسارات مترابطة تصب في فكرة واحدة: أن الدولة التي تراهن على الإنسان لا تخسر مستقبلها.

وفي محيط إقليمي شديد الاضطراب، لم يكن الحفاظ على التوازن مهمة سهلة، بل كان فعلًا يوميًا من ضبط الإيقاع بين الثوابت والمتغيرات، بين ما يجب أن يبقى وما يجب أن يتطور. ومع ذلك، ظل الأردن حاضرًا كصوتٍ للعقل حين يعلو الضجيج، وكحضورٍ متزن حين تتسارع الانقسامات، وكدولة تدرك أن القوة لا تعني الصدام، بل تعني القدرة على الاستمرار دون أن تفقد ذاتها.

ولم يكن هذا الحضور الخارجي منفصلًا عن الداخل، بل امتدادًا له؛ فالدولة التي تعرف كيف تحافظ على تماسكها الداخلي، هي وحدها القادرة على أن تكون فاعلة في محيطها. ومن هنا، بقيت العلاقة بين القيادة والشعب هي العنصر الأكثر ثباتًا في التجربة الأردنية، علاقة لم تُبنَ في لحظة، بل تراكمت عبر الزمن، حتى أصبحت جزءًا من تعريف الدولة نفسها.

وفي قلب هذه المسيرة، لم تغب القضايا الكبرى عن الوعي الوطني، وعلى رأسها القضية الفلسطينية، التي بقيت حاضرة كالتزام تاريخي وأخلاقي وسياسي، إلى جانب الوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية في القدس الشريف، باعتبارها مسؤولية تتجاوز حدود اللحظة السياسية إلى عمق الرسالة التاريخية.

لكن ما يمنح هذه التجربة معناها الأوسع ليس فقط ما تحقق من سياسات أو مبادرات، بل ما ترسخ في الوعي الجمعي من إحساس بأن الدولة ليست شيئًا بعيدًا، بل كيانًا قريبًا، وأن استمرارها ليس نتيجة ظرف، بل نتيجة إيمان عميق بها، وبقدرتها على أن تبقى رغم كل ما حولها من تغير.

وهكذا، حين تُستعاد سبعة وعشرون عامًا من الجلوس الملكي، لا تُستعاد بوصفها زمنًا مضى، بل بوصفها مسارًا مستمرًا من بناء المعنى، حيث يصبح الوطن أكثر من أرض، وأكثر من نظام، وأكثر من تاريخ؛ يصبح شعورًا داخليًا ثابتًا بأن هناك شيئًا يستحق أن يُحافظ عليه، وأن يُبنى له المستقبل كل يوم من جديد.

إن أعظم ما تتركه الدول ليست إنجازاتها الظاهرة فقط، بل ذلك الإحساس العميق لدى أبنائها بأنهم ينتمون إلى فكرة تستحق البقاء. وفي هذا المعنى، لا يبدو الأردن مجرد دولة في الجغرافيا، بل تجربة في الثبات الواعي، وفي الاستمرار الذي لا يفقد روحه، وفي الحضور الذي لا يتوقف عند زمنٍ محدد، بل يمتد كقناعة راسخة بأن الأوطان الحقيقية تُقاس بما تتركه في القلب، قبل أن تُقاس بما يُكتب في التاريخ.
تابعوا نبأ الأردن على Google News
تصميم و تطوير Vertex Web Solutions