ماجد عبد العزيز يكتب: المنسيون
نبأ الأردن -
وسط دوامات الحروب التي عانت منها سوريا ولبنان والعراق، وفي ظل حالة من الضنك والهوان البشري والقتل الجماعي والإعتقالات التعسفيّة والإختفاء القسري والإعدامات العشوائية لجموع الشعوب، مع هيمنة وسطوة إمبريالية توسّعية جثمت على المنطقة وما زالت، ودون التغافل عما يجري بحق الفلسطيني داخل الأرض الفلسطينية التاريخية. فقد أصبح كثيراً مما يُقترف ضد الفلسطيني شيئاً غير ذي بال، ولا يعتبر خبراً يستحق المطالعة والتوقُّف عنده. لقد أصبح الفلسطيني بمثابة الكائن المنسّي مهما جرى بحقه. حيث أن مجريات الحوادث العاصفة جرفت في طريقها أي منطق أو إنسانية. الفلسطيني في سوريا ولبنان تحديداً عانى ويعاني من وطأة الإدانة والأتهام والتشكيك بأي موقف يحسب عليه. فهو إن أعلن وقوفه مع النظام السوري الذي عاث فظاعة وبشاعة وتوحشاً ضد كل المكونات المجتمعية، يؤخذ عليه بأنه من " البلطجية وشبيحة النظام، وإذا أعلن انحيازه للثورة، فهو يكون قد وضع حبل المشنقة على رقبته واعتبر عميلاً ومأجوراً ومدسوساً. وإذا حاول الحياد وعدم إظهار أي تعاطف مع أية جهة، يصير مستهدفاً من الجميع. كذلك الحال في لبنان، فهو إما مع حزب الله وأجندته، أو مع الحريري وتحالفه، مع العونيين، أو الجعجعيين، وكلا الطرفان يرون فيه كائناً دخيلاً غير مرغوب في تواجده.
لقد ظهر حجم الإهمال بحق الفلسطينيين، عندما ابتلع البحر الأبيض كثيراً من شبابهم وأحلامهم وأوجاعهم وغرقوا في أمواج اليأس التي تحمل بطياتها شيئاً من الأمل من أجل الهروب من الواقع البائس الصعب في الزمن الفلسطيني الصعب. لقد اختفت عن خارطة الوجود الاجتماعي عديد من التجمعات الفلسطينية التي كانت تسمّى بالمخيمات خاصةً في لبنان، لم يعد من وجود لمخيم صبرا، شاتيلا، المية ومية، تل الزعتر، نهر البارد، برج البراجنة والفاكهاني، مع تضييق جغرافي وشبه معتقل مفتوح في البداوي وعين الحلوة والرشيدية. أما في سوريا حيث كانت الكارثة في مخيم اليرموك الذي تمت استباحته منذ بواكير الثورة السورية، والتعامل معه على أنه بؤرة أمنية متوترة ينبغي التخلص منها. فتشرّد المشرّدون مرّاتٍ ومرّات. ما بين محاولات ركوب المجهول في البحار وعبور الغابات والبحيرات وتسلُّق الجبال في سبيل إيجاد ملاذٍ ومأوى في بلادٍ تحترم الحد الأدنى من آدمية الإنسان. ومنهم من لم يتمكن من الهروب ليجد نفسه معتقلاً في مخيم الركبان أو الروج أو الهول، وربطهم بمصير أبناء تنظيم داعش الإرهابي.
في العراق وجد الفلسطيني نفسه بعد سقوط النظام البعثي عام 2003، أنهم في مواجهة مباشرة مع مصير مقلق ومحتوم بعد سيطرة قوى المعارضة الشيعية على البلاد، وجرت بحقهم معاملة فيها كثير من الظلم واعتبارهم موالين للنظام البعثي السابق. وأيضاً تم تهميشهم واستبعادهم والتضييق عليهم، فيما فرّ الكثير منهم خارج العراق إلى بلاد لجوء جديدة.
ثمة ما يجذب الإنتباه أن للفلسطيني خاصية فريدة تتمثل بكونه يمتلك مقدرة كبيرة في التكيّف مع الظروف والسياقات الاجتماعية والسياسية. لهذا فهو رغم عيشه الإجباري فيما سميت بالمخيمات، إلا أنه لم ينغلق ولم يبن جدراناً عازلة له عن المجتمع الحاضن. بل هناك من ذابت ملامحه الأصلية ليأخذ ملامح المجتمع والبيئة التي يعيشها. هذه الميزة لم تجعل الفلسطيني متقوقعاً ضمن بقع جغرافية معزولة، ولم تصنع له هويةً محددة واحدة، حيث أصبح الفلسطيني في الأردن أكثر التحاماً مع واقعه وبيئته عن الفلسطيني السوري أو اللبناني أو الخليجي أو العراقي. إن الفلسطيني الأردني أقرب للأردني من الفلسطيني السوري الذي بدوره أقرب للسوري من الفلسطيني اللبناني الذي هو أقرب للبناني . لم يؤخذ على الفلسطيني أنه أيضاً نسي أو تناسى فلسطينيته رغم تكيّفه مع بيئته ومجتمعه المتواجد فيه. وهذا ليس عن شعبوية أو جهوية، إنما هو نتاج قضية يتوارثونها إلى أن يقضي الله أمرها.
لقد أشاد المؤرخ البريطاني أرنولد توينبي (Arnold Toynbee)، في كتاباته ومحاضراته، بصلابة الفلسطينيين وقدرتهم الاستثنائية على التكيف والصمود أمام التحديات التاريخية القاسية.يتلخص تقييم "توينبي" لقدرة الفلسطينيين على التكيف في النقاط التالية:المقاومة فوق طاقة البشر: رأى أن الشعب الفلسطيني أقدم على أفعال تتجاوز حدود القدرة البشرية العادية للدفاع عن أرضه وتراثه، وذلك في مواجهة الإرهاب والتهجير، وصمد أمام إغراءات المال حين كانت تعرض عليهم مبالغ طائلة للتنازل عن ممتلكاتهم.نظرية التحدي والاستجابة: وفقاً لفلسفته الشهيرة في التاريخ، فإن "توينبي" يؤمن أن الحضارات والأمم تختبر بقاءها بمدى إبداعها في الاستجابة للتحديات القاسية. وقد اعتبر أن الفلسطينيين أثبتوا قدرة فريدة على التكيف الإبداعي مع الصدمات العميقة التي فرضتها النكبة، وعدم الاستسلام رغم الظلم التاريخي
إن مجريات الأحداث في المنطقة العربية والإقليمية، تداعت وتعاظمت ووصلت إلى مرحلة البحث عن سبل الحماية الوجودية للكيانات والمجتمعات والدول، بحيث بات الفهم الجيوسياسي يرتكز على العناية بالمصالح الأساسية لكل دولة على حدة، لكن هذه الحالة مؤقتة لن تدوم طويلاً، فقد أثبتت الوقائع التاريخية، أن المحيط الجغرافي والسكاني يفرضان حالة من العلاقات الوطيدة المتبادلة، فكيف حين تكون تلك الدول تتحدث بذات اللغة والعادات والتقاليد والثقافة والتاريخ والمعتقد والقومية والهوية الجمعية. أما أولئك المنسيون الآن من الفلسطينيين، فإن التاريخ يكتبه أصحاب الأرض لا تجار العرض. وفلسطين السبية السليبة لم تكن أكثر وضوحاً منذ النكبة كما هو حالها الآن. نعم ربما كبرت وكثرت المخيمات، لكنها فلسطين التي ما صغرت ولا نسيت.

























