عمر الدريني يكتب : حين يصبح العمل التطوعي خبرًا نادرًا: ماذا يحدث لروح المجتمع؟
نبأ الأردن -
ليست قوة المجتمعات فيما تمتلكه من إمكانات مادية فقط، ولا فيما تحققه من مؤشرات اقتصادية وتنموية فحسب، بل في قدرتها على الحفاظ على ذلك الخيط الإنساني الذي يربط أفرادها ببعضهم البعض، ويجعل الإحساس بالمسؤولية المشتركة جزءًا من الثقافة العامة لا مجرد سلوك استثنائي يظهر في المناسبات والأزمات، ولسنوات طويلة، كان العمل التطوعي جزءًا أصيلًا من الحياة الاجتماعية، ليس باعتباره نشاطًا تنظمه المؤسسات فقط، بل باعتباره ثقافة متجذرة في الوعي الجمعي، كانت المبادرات البسيطة، ومساعدة الآخرين، والمشاركة في خدمة المجتمع، تمارس بعفوية ودون انتظار مقابل أو بحث عن الأضواء.
لكن المشهد اليوم يبدو مختلفًا إلى حد بعيد، فمع تسارع إيقاع الحياة، وتزايد الضغوط اليومية، وانشغال الأفراد بمسؤولياتهم الخاصة، بدأت مساحة العمل التطوعي تتراجع تدريجيًا، حتى أصبحت بعض المبادرات الإنسانية أو المجتمعية تُستقبل وكأنها حدث استثنائي يستحق الاحتفاء، بعد أن كانت جزءًا طبيعيًا من المشهد العام.
ولا يتعلق الأمر بغياب الرغبة في الخير بقدر ما يتعلق بتغير الأولويات وأنماط الحياة، فالناس لم يفقدوا حسهم الإنساني، لكن ضيق الوقت، وتبدل أنماط العلاقات الاجتماعية، والاعتماد المتزايد على المؤسسات الرسمية، جعل كثيرين يعتقدون أن المسؤولية المجتمعية تقع على عاتق الآخرين، لا عليهم.
وفي المقابل، تثبت التجارب في مختلف أنحاء العالم أن المجتمعات الأكثر تماسكًا ليست بالضرورة الأغنى، وإنما تلك التي يمتلك أفرادها شعورًا أعلى بالمسؤولية المشتركة، وإيمانًا بأن تحسين الحياة العامة ليس مهمة الحكومات وحدها، بل مسؤولية جماعية تبدأ من الفرد وتنتهي بالمؤسسات.
وفي الأردن، كما في غيره من المجتمعات، لا تخلو الساحة من نماذج مشرقة تستحق التقدير، شباب يبادرون لتنظيم حملات بيئية، وأفراد يخصصون جزءًا من وقتهم لمساعدة المحتاجين، ومتقاعدون يضعون خبراتهم في خدمة المجتمع، ومبادرات محلية نجحت في إحداث أثر حقيقي رغم محدودية الإمكانات، وهذه النماذج تؤكد أن روح العطاء لم تختفِ، لكنها بحاجة إلى بيئة تشجعها، وثقافة تعيد الاعتبار لقيمة المشاركة المجتمعية.
ولعل ما كشفته الأزمات والكوارث الطبيعية والصحية التي شهدها العالم خلال السنوات الماضية، أن المجتمعات لا تُختبر فقط بقدرة مؤسساتها الرسمية، بل بقدرة أفرادها على التضامن والتكافل والتعاون، ففي اللحظات الصعبة، تظهر القيمة الحقيقية للإنسان، وتبرز أهمية وجود مجتمع حي لا يكتفي بالمشاهدة، بل يبادر بالفعل.
ولأن الأجيال الجديدة تنشأ في بيئة مختلفة عن تلك التي نشأت فيها الأجيال السابقة، فإن ترسيخ ثقافة التطوع لم يعد رفاهية اجتماعية، بل ضرورة تربوية ووطنية، فالعمل التطوعي لا يصنع خدمات إضافية للمجتمع فقط، بل يصنع مواطنًا أكثر وعيًا، وأكثر انتماءً، وأكثر إدراكًا لمعنى المسؤولية تجاه الآخرين، وقد أدركت الأمم المتقدمة هذه الحقيقة مبكرًا، فحولت التطوع إلى جزء من ثقافتها التعليمية والاجتماعية، لأن المجتمعات التي تتعلم العطاء، تتعلم أيضًا التماسك والثقة والتعاون.
وفي النهاية، قد لا تحتاج المجتمعات دائمًا إلى مبادرات ضخمة أو إمكانات استثنائية، بقدر حاجتها إلى استعادة فكرة بسيطة وعميقة في آن واحد: أن الإنسان لا يعيش لنفسه فقط، وأن الأوطان لا تبنى بالحقوق وحدها، بل بالواجبات أيضًا، فحين يصبح العمل التطوعي خبرًا نادرًا، لا يخسر المحتاجون وحدهم، بل يخسر المجتمع جزءًا من روحه، والروح مهما بدا أثرها غير مرئي، هي التي تمنح الأوطان قدرتها على الاستمرار والتماسك.

























