د. عطاالله الشرعة يكتب : حين يصبح العنف مرآة للواقع… قراءة في تزايد الحوادث في الأردن وأسبابها والحلول الممكنة
نبأ الأردن -
لم تعد بعض الحوادث الجنائية المؤلمة في الأردن، التي شهدنا تكرارها في الفترة الأخيرة، تمر كأخبار عابرة أو وقائع منفصلة يمكن تجاوزها بسهولة، بل أصبحت تثير قلقاً مجتمعياً واسعاً ونقاشاً متصاعداً حول أسباب هذا التكرار اللافت لبعض جرائم القتل والعنف، وما إذا كان ما يحدث يعكس حالة طارئة أم مؤشرات على تراكمات أعمق في الواقع الاقتصادي والاجتماعي.
إن تزايد هذه الحوادث في الفترة الأخيرة لا يمكن قراءته من زاوية واحدة، ولا يصح اختزاله في سبب منفرد، بل هو في الغالب نتيجة تداخل معقد لعوامل اقتصادية واجتماعية ونفسية وقانونية، تتفاعل مع بعضها لتنتج في بعض الحالات سلوكاً عنيفاً يصل إلى أقصى درجات الخطورة.
في الأردن، تشكل الضغوط الاقتصادية جزءاً مهماً من المشهد العام، حيث يواجه كثير من المواطنين تحديات تتعلق بارتفاع تكاليف المعيشة، وضيق فرص العمل، وتراجع القدرة الشرائية، ما ينعكس على مستوى الاستقرار النفسي والاجتماعي. ومع تكرار الشعور بالإحباط أو ضعف الأفق المستقبلي لدى بعض الفئات، تتشكل بيئة قد تزيد من التوتر والانفعال، خاصة في ظل محدودية أدوات الدعم النفسي والاجتماعي لدى البعض.
كما أن التحولات الاجتماعية المتسارعة التي يشهدها المجتمع، وتغير أنماط الحياة، وتراجع بعض الأدوار التقليدية للأسرة في التوجيه والرقابة، إلى جانب التأثير المتزايد لوسائل التواصل الاجتماعي وما يصاحبها من خطاب انفعالي أحياناً، كلها عوامل ساهمت في رفع مستوى الاحتقان الاجتماعي، وجعلت بعض الخلافات اليومية أكثر قابلية للتصعيد.
ولا يمكن إغفال أن من بين الأسباب الخطيرة أيضاً انتشار المخدرات، التي باتت في بعض الحالات عاملاً مباشراً أو غير مباشر في زيادة معدلات الجريمة، سواء من حيث تأثيرها على السلوك أو ارتباطها ببعض الأنماط الإجرامية المنظمة.
وفي السياق ذاته، يبرز عامل الإحساس العام بفعالية العدالة وسرعة الإجراءات القضائية، إذ إن هيبة القانون لا تُقاس فقط بوجود النصوص، بل بسرعة تطبيقها وعدالتها ووضوح أثرها الردعي. وأي شعور ببطء الحسم أو ضعف الردع قد ينعكس سلباً على السلوك العام لدى البعض.
كما أن البعد النفسي لا يقل أهمية، حيث يعيش بعض الأفراد ضغوطاً متراكمة دون علاج أو دعم مناسب، في ظل ضعف ثقافة اللجوء إلى الإرشاد النفسي، ما يؤدي في بعض الحالات إلى تراكم الأزمات حتى لحظات انفجار مأساوية.
أما الحلول، فإن التعامل مع هذا الواقع في الأردن لا يمكن أن يكون أمنياً فقط، رغم أهمية الدور الأمني في حفظ النظام وردع الجريمة، بل يحتاج إلى رؤية وطنية شاملة تبدأ من الاقتصاد ولا تنتهي عند القانون. فتعزيز فرص العمل، وتحسين مستوى الدخل، وتخفيف الضغوط المعيشية، تمثل عناصر أساسية في تقليل الاحتقان الاجتماعي.
كما أن تطوير منظومة العدالة بما يضمن سرعة البت في القضايا وتحقيق الردع العادل والمتساوي يعزز الثقة بالقانون ويقوي هيبته في المجتمع. وفي الوقت نفسه، لا بد من إعادة الاعتبار لدور الأسرة والمدرسة والجامعات في بناء منظومة قيمية متماسكة تقوم على الحوار وضبط النفس واحترام القانون.
ويضاف إلى ذلك ضرورة إدماج الصحة النفسية ضمن أولويات السياسات العامة، وتوسيع خدمات الإرشاد والدعم النفسي، إلى جانب تكثيف الجهود في مكافحة المخدرات عبر الوقاية والعلاج والردع في آن واحد.
كما يبرز دور الإعلام والمجتمع المدني في نشر ثقافة التهدئة، وتعزيز الوعي، والحد من خطاب العنف أو التبرير أو الاستسهال في التعامل مع هذه القضايا الحساسة.
إن تزايد الحوادث في الأردن خلال الفترة الأخيرة لا يمكن التعامل معه كأحداث منفصلة، بل كإشارات تستدعي قراءة عميقة للواقع، لأن الجريمة في جوهرها ليست لحظة عابرة، بل نتيجة تراكمات طويلة من الضغوط والتحديات.
وفي النهاية، يبقى الأمن المجتمعي الحقيقي ثمرة عدالة فاعلة، واقتصاد قادر على تلبية احتياجات المواطنين، ومؤسسات اجتماعية وتربوية قوية، وقانون يُطبق بعدالة وسرعة، ومجتمع متماسك قادر على احتواء أفراده قبل وصولهم إلى حافة الانفجار.
د. عطاالله الشرعة
استاذ الموارد البشرية
مستشار التطوير الإداري والموارد البشرية والتدريب

























