د.عبدالله القضاة يكتب:خواطر … أبو عون 1
نبأ الأردن -
حين كانوا يُسلّمون على الختم
في ذروة أيامي مسؤولًا، كانت الأبواب تُفتح قبل أن أصل إليها، والأيادي تمتدّ لمصافحتي قبل أن أمدّ يدي. لم يكن الهاتف يعرف الصمت، وكانت كلمات الثناء تتدفق بلا انقطاع: "أنت رجل المرحلة"، "لا تُحلّ الأمور إلا بك"، "وجودك ضرورة لا غنى عنها".
كان سكرتيري يعتذر للزائرين قائلًا: "جدول الأستاذ ممتلئ"، فأصدق ذلك المشهد، وأتوهم أنني مركز الدائرة، وأن العالم يدور حول حضوري.
ثم جاء يوم التقاعد.
وقّعت آخر معاملة، وسلمت آخر ملف، وغادرت المكتب كما يغادره أي موظف. لم أشعر يومها أنني أترك كرسيًا فحسب، بل كنت أترك جزءًا من الوهم الذي عشت فيه سنوات طويلة.
في اليوم التالي، كان كل شيء كما هو: الرقم نفسه، والاسم نفسه، والصوت نفسه. لكن شيئًا واحدًا تغيّر... مكانتي في أعين الآخرين.
من كانوا يبادرون بالاتصال، أصبحوا لا يجيبون.
ومن كانوا ينتظرون دقائق للسلام، صاروا يمرّون وكأنهم لم يروني.
ومن كانت قهوتهم تصل ساخنة إلى مكتبي، باتت تصل باردة مع أي موظف عابر.
أما أولئك الذين كانوا يؤكدون أن المؤسسة لا يمكن أن تستمر من دوني، فقد اكتشفوا سريعًا أنها استمرت، بل نسيت وجودي أيضًا.
عندها فقط فهمت الدرس الذي تأخرت كثيرًا في تعلمه:
كثيرون لم يكونوا يحبونك أنت، بل كانوا يحبون ما تملكه من صلاحيات. لم يكونوا يقتربون من قلبك، بل من توقيعك. ولم يكن احترامهم لشخصك دائمًا، بل لموقعك وما يمنحه من نفع أو رهبة.
كنت أظن أنني إنسان تحيط به الجموع، ثم اكتشفت أنني في نظر بعضهم مجرد كرسيٍّ يشغل مكانًا مهمًا. وحين غادر الكرسي صاحبه، غادروا معه.
التقاعد لا ينتزع منك قيمتك، ولا يسلبك مكانتك الحقيقية. إنه فقط يزيل الأقنعة، ويكشف الوجوه على حقيقتها. يفرز الذين عرفوك لإنسانيتك، من الذين عرفوك لمصلحتهم.
لذلك، يا من تجلس اليوم على كرسي السلطة أو النفوذ أو المنصب...
لا تنخدع بكثرة المصفقين، ولا تظن أن كل من يقترب منك يحبك. ابنِ رصيدك في القلوب لا في المكاتب، وفي المواقف لا في الصلاحيات، وفي الأخلاق لا في الأختام.
فالكراسي لا تدوم لأحد، والمناصب عابرة مهما طالت.
ويبقى السؤال الأصعب:
إذا سُحب الكرسي من تحتك اليوم...
كم شخصًا سيمد يده ليحميك قبل أن تسقط؟
وكم شخصًا كان في الحقيقة يُسلّم عليك...
لا عليك، بل على الختم الذي تحمله؟


























