اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

صلاح طه عبيدات يكتب: هندسة الأمل بين الورق والميدان: هل تملك مؤسساتنا القدرة على صناعة المستقبل؟

صلاح طه عبيدات يكتب: هندسة الأمل بين الورق والميدان: هل تملك مؤسساتنا القدرة على صناعة المستقبل؟
نبأ الأردن -
ليست أزمة الأمم في ندرة الرؤى، ولا في فقر الأفكار، ولا حتى في عجزها عن رسم خرائط المستقبل. فالتاريخ يخبرنا أن كثيراً من المشاريع الكبرى وُلدت مكتملة على الورق، متألقة في لغتها، دقيقة في أهدافها، محكمة في أرقامها، لكنها انتهت إلى مجرد وثائق محفوظة في الأدراج. فالمسافة بين الحلم وتحقيقه ليست مسافة زمنية بقدر ما هي مسافة مؤسسية؛ مسافة تفصل بين الفكرة ومن يملك القدرة على تحويلها إلى واقع.
في الهندسة، لا تُقاس قيمة المخطط بجمال خطوطه، بل بقدرته على أن يتحول إلى بناء يقف في وجه الزمن. وكذلك الحال في إدارة الدول؛ فالرؤى الاقتصادية لا تُختبر في قاعات الاجتماعات ولا في المؤتمرات الصحفية، بل في الأسواق، والمصانع، والحقول، ومواقع العمل، وفي حياة الناس اليومية حيث تُقاس السياسات بآثارها لا بشعاراتها.
لقد جاءت رؤية التحديث الاقتصادي في الأردن حاملةً طموحاً مشروعاً لدولة تبحث عن مكانها في عالم شديد التنافسية والتغير. رسمت أهدافاً واعدة للنمو والاستثمار والتشغيل، وفتحت نوافذ واسعة للأمل. غير أن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس: هل كانت الرؤية صحيحة؟ بل: هل تمتلك مؤسساتنا "أنظمة التشغيل" القادرة على تحويل هذه الرؤية إلى إنجاز ملموس؟
إن التحدي الحقيقي لا يكمن في صياغة الاستراتيجيات، بل في هندسة التنفيذ. فبين النصوص الرسمية والواقع المعيشي فجوة لا تزال ماثلة للعيان؛ فجوة يشعر بها الشاب الباحث عن فرصة عمل، والمستثمر الباحث عن بيئة أكثر مرونة، والمواطن الذي ينتظر أن يرى انعكاس النمو الاقتصادي على مستوى دخله ونوعية حياته.
ومن منظور الجودة والتميز المؤسسي، فإن المؤسسات التنفيذية ليست مجرد هياكل إدارية، بل هي القلب النابض لأي مشروع وطني. الوزارات والهيئات المعنية بالاستثمار والصناعة والزراعة والتجارة ليست دوائر لتبادل الكتب الرسمية أو إدارة الإجراءات الروتينية، بل منصات لإنتاج القيمة الاقتصادية والاجتماعية. ونجاحها لا يُقاس بعدد الاجتماعات أو التقارير، وإنما بقدرتها على خلق فرص العمل، وجذب الاستثمارات، وتحفيز الإنتاج، وتحقيق أثر حقيقي يشعر به المواطن.
إن المشكلة الكبرى في كثير من الأحيان ليست غياب الخطط، بل غياب ثقافة القياس والمساءلة. فحين لا توجد مؤشرات أداء واضحة، وحين لا تُربط المسؤولية بالنتائج، تصبح الفجوة بين الطموح والإنجاز أمراً متوقعاً. وتتحول الرؤى تدريجياً من أدوات للتغيير إلى نصوص جميلة تُتلى في المناسبات.
الثقة العامة ليست مفهوماً مجرداً؛ إنها رأس المال الأهم في العلاقة بين الدولة والمجتمع. وكل وعد اقتصادي هو في جوهره عقد أخلاقي قبل أن يكون برنامجاً تنفيذياً. وحين تتأخر النتائج أو تتباعد عن التوقعات، لا تتراجع الأرقام فقط، بل تتآكل الثقة، ويصبح إقناع الناس بالمستقبل أكثر صعوبة مهما كانت النوايا صادقة.
لهذا فإن المرحلة المقبلة تتطلب ما هو أكثر من إطلاق المبادرات أو الإعلان عن المشاريع؛ إنها تتطلب ثورة هادئة في كفاءة التنفيذ، وإعادة هندسة للإجراءات، وترسيخاً لثقافة الإنجاز القابل للقياس، بحيث تصبح المؤسسات قادرة على تحويل الخطط إلى نتائج، والوعود إلى وقائع، والرؤى إلى حياة أفضل.
فالوطن لا ينهض بما يُكتب عنه، بل بما يُنجز فيه. ولا تُقاس قوة الدولة بعدد استراتيجياتها، بل بقدرتها على أن تجعل المواطن يرى أثر تلك الاستراتيجيات في تفاصيل يومه. وعليه، فإن السؤال الأكثر إلحاحاً اليوم ليس: ماذا سنخطط غداً؟ بل: كيف نجعل ما خططناه بالأمس واقعاً يعيشه الناس اليوم؟
هناك فقط، عند نقطة التقاء الحلم بالفعل، تتحول الرؤية إلى نهضة، ويتحول الأمل إلى تاريخ.
تابعوا نبأ الأردن على Google News
تصميم و تطوير Vertex Web Solutions