اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

د.عبدالله محمد القضاه يكتب: جنوب لبنان بين نهاية الحرب وبداية السلام: هل حان وقت التسوية الكبرى؟

د.عبدالله محمد القضاه يكتب: جنوب لبنان بين نهاية الحرب وبداية السلام: هل حان وقت التسوية الكبرى؟
نبأ الأردن -
منذ عقود طويلة، ظل جنوب لبنان بؤرة توتر رئيسية في الشرق الأوسط، وملتقى لتضارب المصالح اللبنانية والإسرائيلية والإيرانية والدولية. ومع تسارع وتيرة التحولات الإقليمية الراهنة، يبرز تساؤل جوهري: هل يمكن أن يؤدي انسحاب حزب الله من الجنوب إلى انسحاب إسرائيلي كامل من الأراضي اللبنانية، فاتحاً الباب أمام سلام دائم يعيد للدولة اللبنانية سيادتها ويخرجها من دوامة الصراعات الإقليمية؟
لم تعد القضية مجرد نزاع حدودي تقليدي بين دولتين، بل تحولت إلى محك حقيقي لمستقبل لبنان برمته. فالصراع تجاوز منذ أمد بعيد مسألة الأرض ليصبح صراعاً أعمق حول السلاح، القرار الوطني، السيادة، والهوية الحقيقية للدولة اللبنانية.
تؤكد إسرائيل مراراً أن جوهر المشكلة يكمن في وجود قوة عسكرية منظمة خارج سلطة الدولة اللبنانية على حدودها الشمالية. وفي حال زوال هذه القوة وانتشار الجيش اللبناني كجهة وحيدة مخولة بحماية الحدود، فإن المبررات الأمنية الإسرائيلية ستتضاءل بشكل كبير. عندها، سيصبح الانسحاب الإسرائيلي الكامل مطلباً سياسياً وأخلاقياً وقانونياً لا يمكن تجاهله أو تبرير رفضه أمام المجتمع الدولي.
لكن جوهر القضية لا يكمن في الانسحاب الإسرائيلي بحد ذاته، بل في تداعياته وما سيلي ذلك. فالتاريخ يثبت أن الفراغات الأمنية لا تدوم، وأن الاتفاقات التي لا تستند إلى دولة قوية ومؤسسات راسخة سرعان ما تتحول إلى مجرد هدنة مؤقتة تسبق جولة جديدة من الصراع. لذا، فإن أي تسوية حقيقية يجب أن ترتكز على مبدأ لا يقبل التأويل: لا سلاح خارج سلطة الدولة، ولا قرار حرب أو سلم بمعزل عن المؤسسات الشرعية اللبنانية.
لقد دفع لبنان أثماناً باهظة جراء تحوله إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية. فمنذ سنوات طويلة، لم يعد القرار اللبناني نابعاً من إرادة اللبنانيين وحدهم، بل بات جزءاً لا يتجزأ من شبكة معقدة من المصالح والصراعات التي تمتد من طهران إلى تل أبيب، مروراً بعواصم إقليمية ودولية متعددة. وعليه، فإن الحديث عن استقرار دائم لا يمكن فصله عن السؤال الأكبر: هل يستطيع لبنان استعادة قراره الوطني المستقل؟
هنا تحديداً تبرز العقدة الإيرانية. فحزب الله لا يمثل بالنسبة لطهران مجرد حليف سياسي، بل يشكل ركيزة أساسية في منظومة النفوذ الإقليمي التي بنتها على مدى عقود. ومن الصعب تصور أن تتخلى إيران بسهولة عن إحدى أهم أوراقها الاستراتيجية في المنطقة دون أن يكون ذلك جزءاً من تفاهمات إقليمية أوسع تتجاوز حدود لبنان نفسه.
لذلك، فإن أي اتفاق أمني على الحدود، مهما بلغت أهميته، لن يكون كافياً بمفرده لإرساء السلام الحقيقي. فالسلام الحقيقي يبدأ عندما يصبح لبنان دولة كاملة السيادة، تحتكر وحدها السلاح والقرار، وتمنع استخدام أراضيها كمنصة لحروب الآخرين أو ساحة لتبادل الرسائل الإقليمية.
وربما للمرة الأولى منذ سنوات طويلة، تبدو الفرصة سانحة أمام اللبنانيين لإعادة طرح السؤال الذي طالما تم تأجيله: هل يريد لبنان أن يبقى جبهة مفتوحة في صراع لا ينتهي، أم دولة طبيعية تسعى للأمن والاستقرار والتنمية والازدهار؟
إن الانسحاب المتبادل، إذا تحقق، قد يمثل نهاية لمرحلة طويلة من المواجهة العسكرية. لكنه لن يكون سوى بداية الطريق نحو اختبار أكبر يتعلق بمستقبل الدولة اللبنانية وموقعها في الإقليم.
فالسلام لا تصنعه الجيوش عندما تتراجع فحسب، بل تصنعه الدول عندما تستعيد سيادتها. وعندما يصبح القرار الوطني أقوى من السلاح، والمصلحة الوطنية أعلى من حسابات المحاور، عندها فقط يمكن القول إن جنوب لبنان لم يشهد نهاية حرب فحسب، بل شهد ولادة شرق أوسط مختلف.
ويبقى السؤال الذي ستجيب عنه السنوات المقبلة: هل تكون التسوية القادمة نهاية للصراع، أم مجرد استراحة بين حربين؟
في الشرق الأوسط، لا تبدأ الحروب عندما تتقدم الجيوش، بل عندما تغيب الدولة؛ ولا يولد السلام عندما تتوقف المعارك، بل عندما تستعيد الأوطان سيادتها الكاملة على أرضها وقرارها ومستقبلها.
تابعوا نبأ الأردن على Google News
تصميم و تطوير Vertex Web Solutions