اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

عمر الدريني يكتب : الماء في الأردن: بين الندرة وقرارات البقاء

عمر الدريني يكتب : الماء في الأردن: بين الندرة وقرارات البقاء
نبأ الأردن -
يحتل ملف المياه في الأردن موقعًا استثنائيًا في معادلة الأمن الوطني، ليس باعتباره ملفًا خدميًا تقليديًا، بل كأحد أكثر الملفات ارتباطًا مباشرة بحياة الإنسان واستقرار المجتمع واستمرارية الاقتصاد، فالماء هنا لا يُنظر إليه كخدمة يومية قابلة للتوسع أو الترف، بل كمورد استراتيجي شديد الحساسية، تحكمه معادلة دقيقة بين الطبيعة والطلب المتزايد والسياسات العامة.
الأردن يُعد من أفقر دول العالم مائيًا، وهذه الحقيقة ليست جديدة في جوهرها، لكنها تزداد حدة وتعقيدًا مع مرور الوقت، فالتغيرات الديموغرافية، والنمو السكاني، واتساع الرقعة الحضرية، وتغير أنماط الاستهلاك، جميعها عوامل تتقاطع لتفرض ضغطًا متصاعدًا على موارد مائية محدودة أصلًا، ومع هذا التراكم، يتحول ملف المياه من قضية قطاعية إلى تحدٍ وطني شامل يتداخل فيه الاقتصادي بالبيئي والاجتماعي.
في الحياة اليومية، لا يظهر هذا التحدي في الخطابات أو الاستراتيجيات، بل في التفاصيل الصغيرة التي تشكل الإيقاع اليومي للأسر الأردنية، فساعات التزويد المحدودة، وأنظمة التخزين المنزلي، والاعتماد على الصهاريج في بعض المناطق، وإعادة تنظيم الاستخدام داخل البيت وفق جداول مائية دقيقة، كلها ليست تفاصيل هامشية، بل مؤشرات مباشرة على طبيعة إدارة مورد نادر تحت ضغط مستمر، هذه الممارسات اليومية تعكس واقعًا أعمق: مجتمع يتعامل مع الندرة بوصفها جزءًا من نمط حياته لا حالة استثنائية.
لكن التحدي الحقيقي في ملف المياه لا يكمن في الندرة وحدها، بل في كيفية إدارتها، فجزء كبير من الإشكال يرتبط بكفاءة الاستخدام، وتقليل الفاقد في الشبكات، ومعالجة الاعتداءات على مصادر المياه، وتطوير البنية التحتية، إضافة إلى تعزيز الرقابة المؤسسية، وفي المقابل، يبرز عنصر لا يقل أهمية وهو الوعي المجتمعي، إذ إن ترشيد الاستهلاك لم يعد خيارًا فرديًا، بل ضرورة جماعية ترتبط مباشرة بالأمن المائي الوطني.
كل قطرة ماء مهدورة لا تمثل خسارة آنية فقط، بل تراكمًا لخسارة مستقبلية تتوسع آثارها على المدى الطويل، فالمياه ليست موردًا متجددًا بالوتيرة التي تسمح بالاستهلاك غير المنضبط، بل هي رصيد طبيعي محدود يحتاج إلى إدارة دقيقة تشبه إدارة الموارد الاستراتيجية الحساسة.
ومع دخول التغير المناخي كعامل مؤثر إضافي، أصبح المشهد أكثر تعقيدًا، فاضطراب معدلات الهطول المطري، وتزايد فترات الجفاف، وتغير أنماط المواسم، كلها عوامل تقلل من قابلية التنبؤ بالمخزون المائي السنوي، وهذا يفرض على السياسات المائية الانتقال من التخطيط التقليدي القائم على الثبات، إلى تخطيط أكثر مرونة يعتمد على إدارة المخاطر والتكيف المستمر مع المتغيرات.
في هذا الإطار، يصبح ملف المياه اختبارًا مباشرًا لمدى جاهزية الدولة والمجتمع لإدارة الموارد في بيئة غير مستقرة، فالتحدي لم يعد تقنيًا فقط، بل أصبح إداريًا وسلوكيًا في الوقت نفسه: كيف يمكن تقليل الطلب دون التأثير على جودة الحياة؟ وكيف يمكن رفع كفاءة التوزيع دون زيادة الضغط على البنية التحتية؟ وكيف يمكن تحويل الوعي الفردي إلى سلوك جماعي مستدام؟
ومن زاوية أخرى، يبرز البعد الاقتصادي لملف المياه بشكل متزايد، فالمياه ترتبط مباشرة بالزراعة، والصناعة، والطاقة، وحتى الاستثمار العمراني، وأي اختلال في توفرها ينعكس تلقائيًا على تكاليف الإنتاج، وعلى الأمن الغذائي، وعلى استقرار بعض القطاعات الحيوية، لذلك فإن إدارة المياه ليست مسألة بيئية فقط، بل جزء من معادلة التنمية الاقتصادية الشاملة.
ورغم كل هذه التحديات، فإن التجربة الأردنية تُظهر درجة عالية من التكيف مع الواقع المائي الصعب، فقد تشكلت عبر السنوات ثقافة اجتماعية تتعامل مع محدودية المياه بوصفها حقيقة يومية، ما خلق أنماط سلوك أكثر تحفظًا في الاستهلاك مقارنة ببعض البيئات الأخرى، لكن هذا التكيف، رغم أهميته، لا يغني عن الحاجة إلى تطوير الحلول المؤسسية والتقنية على نطاق أوسع.
وفي النهاية، يبقى الماء في الأردن أكثر من مجرد مورد طبيعي محدود؛ إنه ملف سيادي، وركيزة استقرار، ومؤشر دقيق على قدرة المجتمع على إدارة موارده في ظل شروط قاسية، وبين الندرة المتزايدة، والطلب المتصاعد، والإدارة المطلوبة، تتحدد ملامح مستقبل الأمن المائي، ليس فقط كقضية تقنية، بل كقضية وعي جماعي ومسؤولية مشتركة تمتد من الفرد إلى الدولة.
تابعوا نبأ الأردن على Google News
تصميم و تطوير Vertex Web Solutions