اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

وائل منسي يكتب:سردية شفوية من سراديب النكسة – 5 حزيران 1967

وائل منسي يكتب:سردية شفوية من سراديب النكسة – 5 حزيران 1967
نبأ الأردن -
ليست كل الحروب تُقرأ في الكتب، فبعضها يبقى حيًا في ذاكرة العائلات، وفي الحكايات التي تتناقلها الأجيال، وفي الندوب التي تتركها على الأجساد والأرواح.
في الأيام الأولى من حرب حزيران 1967، كانت جدتي لأمي، لطيفة علي سلامة إبداح، تقيم في إربد برفقة ابنتها حورية وأطفالها الثلاثة: رائدة ورائد وباسل. وكانت المناطق المحيطة بمنزلهم من أكثر مناطق المدينة تعرضًا للقصف الجوي والمدفعي، حتى إن الخطر هناك كان يفوق ما كان يشعر به كثيرون في عمان.
كانوا يلجؤون إلى ملجأ قريب يعود لعائلة جدي من جهة والدي، بينما كانت الملاجئ العامة المنتشرة في أحياء إربد تستقبل مئات المواطنين الهاربين من أزيز الطائرات وأصوات الانفجارات. وقد بقيت تلك الملاجئ جزءًا من ذاكرتي الشخصية، إذ دخلتها لاحقًا أكثر من مرة وأنا طفل خلال سنوات حرب الاستنزاف وحرب تشرين 1973.
ما زلت أتذكر ذلك الملجأ جيدًا: درج يقود إلى غرفتين تحت الأرض، تغطيهما طبقات من التراب والرمال، وفي نهايته فتحة تهوية مائلة تشبه برميلًا مفتوح الطرفين. وفي إحدى الليالي كنت نائمًا في حضن والدي قرب تلك الفتحة، عندما سقطت قذيفة صهيونية بالقرب منها، فأصابت بعض شظاياها الوسادة التي كانت تحت رأسه. مرت الحادثة بسلام، لكنها بقيت محفورة في الذاكرة كشاهد صغير على زمن كان الموت فيه يمر من جوار الناس كل يوم.
أما جدي، فكان من أولئك الرجال الذين يصعب أن تخيفهم الحروب. نادرًا ما كان ينزل إلى الملجأ، وكان يتولى إيصال الطعام للمختبئين، ويجلس بهدوء يدخن "الهيشي" الذي أدمنه سنوات طويلة، وكأن القصف الدائر حوله مجرد ضوضاء بعيدة.
وفي مساء السابع من حزيران، وبعد أن اتضحت ملامح الكارثة، جاء زوج خالتي آمال، سليمان حبايب، من عمان إلى إربد بسيارته المرسيدس السوداء. كان يعمل على خط عمان–رام الله–القدس قبل أن تغلق الحرب الطرق وتغير مصائر الناس. جاء ليأخذ حماته وشقيقة زوجته وأطفالها إلى عمان حيث يقيم.
كانت الحركة نهارًا أشبه بالمقامرة بالحياة، لذلك انطلقوا ليلًا، مع إطفاء أضواء السيارة خشية رصدها من الطائرات المعادية. الطريق بين إربد وعمان كان مزدحمًا بالسيارات المدنية والآليات العسكرية، تسير كلها في الظلام الحالك. وعند المنعطفات الوعرة قرب جرش، كانت المركبات تتصادم أحيانًا ببعضها بسبب انعدام الرؤية، لكن الجميع كان يواصل السير.
وفجأة انحرفت السيارة عن الطريق، وهوت نحو وادٍ جانبي، قبل أن توقفها أشجار السرو. خرج الركاب ببعض الرضوض البسيطة، لكن السيارة تعطلت تمامًا.
تابعت العائلة رحلتها سيرًا حتى الشارع العام، ثم استقلت شاحنة متوسطة مغطاة بشادر. بدا أنهم نجوا من الخطر، لكن القدر كان يخبئ لهم امتحانًا آخر.

قبيل الفجر، وعند منطقة جسر النشا قرب المحطة في عمان، وقبل دقائق فقط من الوصول إلى منزل خالتي في الهاشمي الشمالي، انقلبت الشاحنة وسقطت من فوق الجسر إلى مجرى المياه أسفله.
خرج الأطفال سالمين بمعجزة. أما جدتي فأصيبت بجروح ورضوض خطيرة، وتعرضت إحدى عينيها لإصابة بالغة. وخالتي حورية أصيبت بكسور متعددة، أبرزها كسر عرضي في عظم الفخذ، وفقدت الوعي مع والدتها. أما سليمان حبايب فقد قفز من الشاحنة قبل سقوطها بلحظات، بينما توفي السائق رحمه الله في الحادث.
نُقل الجميع إلى المستشفى العسكري في ماركا حيث تلقوا العلاج والإسعاف.

وبعد نحو شهر ونصف، عاد والداي من السعودية حيث كانا يعملان. كانت والدتي حاملًا بي آنذاك، وولدت بعد الحرب بشهرين تقريبًا في مستشفى راهبات الوردية في إربد خلال شهر آب 1967، ثم عدنا إلى السعودية وأنا ما أزال في اللفة، لم أتجاوز العشرين يومًا من العمر.

ربما لهذا السبب ظلّت النكسة تلاحقني منذ الطفولة. كبرت وأنا أبحث عن تفاصيلها وخفاياها. استمعت إلى روايات الأجداد والأقارب، وإلى شهادات ضباط وعسكريين كبار بعد تقاعدهم، وقرأت عشرات الكتب والمذكرات العربية والغربية، من محمد حسنين هيكل إلى كتابات الصحفيين والمؤرخين الأجانب، بل وحتى الروايات الإسرائيلية نفسها.
ومع ذلك، لم أقتنع يومًا بالروايات التبريرية الجاهزة.
فما حدث في حزيران لم يكن مجرد هزيمة عسكرية خاطفة، بل كان زلزالًا سياسيًا وحضاريًا ونفسيًا ضرب وجدان أمة كاملة. 
خلال ستة أيام فقط سقطت القدس والضفة الغربية وغزة وسيناء والجولان، وخسرت ثلاث دول عربية أراضيها ومواقعها الاستراتيجية، فيما تعرض الوعي العربي لواحدة من أعنف الصدمات في تاريخه الحديث.
كانت النكسة، في جانب منها، فنًا من فنون صناعة الهزيمة؛ هزيمة لم تُهزم فيها الجيوش وحدها، بل هُزمت معها منظومات الإدارة والتخطيط والمساءلة والقدرة على مواجهة الحقيقة.
والأشد إيلامًا أن تلك الكارثة التاريخية مرّت، في معظم أوجهها، دون مساءلة حقيقية بحجم الخسارة.
يبقى الخامس من حزيران ذكرى حزينة في الذاكرة العربية، ليس لأنه يوم احتلال الأرض فقط، بل لأنه اليوم الذي اكتشف فيه العرب حجم الفجوة بين الخطاب والواقع، وبين الشعارات والقدرة الفعلية على حمايتها.


تابعوا نبأ الأردن على Google News
تصميم و تطوير Vertex Web Solutions