اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

عاطف أبو حجر يكتب: فلسفة المشمش

عاطف أبو حجر يكتب: فلسفة المشمش
نبأ الأردن -
كلما سمعت عبارة "جمعة مشمشية” أشعر أن أجدادنا كانوا يملكون قسمًا خاصًا لاختراع المصطلحات المعقّدة من أبسط الأشياء. فالمشمش — وهو فاكهة محترمة ومسالمة — تحوّل فجأة إلى وحدة قياس للوقت القصير، وكأن الساعة والتقويم فشلا، فاستعان الناس بالمزارعين. والمشكلة ليست في المشمش نفسه، بل في الناس الذين ظلموه لغويًا؛ فلا أحد يقول: "بالتفاح” أو "بالخوخ” عندما يريد تأجيل وعد، وحده المشمش تحمّل مسؤولية المماطلة منذ مئات السنين، حتى صار وكأنه موظف دائرة حكومية لا فاكهة صيفية.

وأحيانًا أشعر أن عبارة "بالمشمش” ليست مجرد مثل شعبي، بل خطة هروب دبلوماسية متكاملة. فالقائل لا يكذب عليك مباشرة، ولا يوافق بوضوح، بل يتركك معلّقًا بين الأمل والموسم الزراعي… تنتظر التنفيذ كما ينتظر الناس نزول المطر في تموز.

كنتُ لسنواتٍ طويلةٍ أظنُّ أنَّ "المشمشية” هي أخت المشمش غير الشقيقة، أو ربما نسخة مطوّرة منه تعمل بالفطرة وليس بالنية. ولم أكن أستطيع التمييز بين "بالمشمش” و”جمعة مشمشية”، حتى خُيّل إليَّ أن المشمش نفسه لا يعرف الفرق بينه وبين المشمشية، وأنه يقف حائرًا على الشجرة يتساءل: "هل أنا فاكهة أم موعد لن يتحقق؟”.

وحين استعصى عليَّ الأمر، اضطررتُ إلى تشكيل لجنة استكشاف عليا، وكد جاهة إلى عشيرة جوجل، برفقة وفدٍ رسميٍّ من وجهاء التطبيقات: تيك توك، وإنستغرام، وفيس بوك، وعلى رأسهم الشيخ AI كبير عشيرة الذكاء الاصطناعي، الذي كان يهزُّ رأسه بحكمةٍ إلكترونية وكأنه عاش موسم المشمش منذ العصر الحجري.

خرجنا من تلك الجاهة بخلاصةٍ تاريخيةٍ عظيمة: "جمعة مشمشية” تعني فترة قصيرة جدًا… تمرّ بسرعة موسم المشمش نفسه، أسبوع أو أسبوعان بالكثير، ثم تختفي وكأنها إشاعة انتخابية بعد إعلان النتائج.

أما "بالمشمش”، فالمقصود بها الوعود المؤجلة التي لن تتحقق غالبًا، لأن تنفيذها مرتبط بظهور موسم المشمش القصير أصلًا. أي أن البعض حين يريد أن يعتذر بأدب عن تنفيذ وعدٍ ما، لا يقول "لن أفعل”، بل يقول لك بكل برود: "أبشر… بالمشمش!”.

والحقيقة أنَّ المشمش لا يستحق كل هذا الظلم الاجتماعي. فهذه الثمرة المسكينة جاءت إلى الدنيا لتؤكل، لا لتتحمّل مسؤولية الكذب البشري والتسويف الإداري. تخيّلوا لو أن بقية الفواكه تعاملت بالمثل! فيصبح الموظف المتأخر "بالبطيخ”، والإنترنت الضعيف "بالرمان”، والزواج المؤجل "بالصبر الشوكي”.

لكن، ورغم كل هذا الجدل اللغوي والفلسفي، يبقى للمشمش مكانة خاصة في الذاكرة. فما زلت أتخيل نفسي أتسلّق شجرة المشمش تحت شمس تموز، أقطف الحبات الناضجة وأضعها في الصحن، ومن بريق لمعانها تضطرك أن تمسحها بطرف قميصك وتلتهمها فورًا، لأن مقاومة المشمش الناضج أصعب من مقاومة إشعارٍ جديدٍ من تيك توك.

وموسم المشمش — يا للأسف — قصيرٌ جدًا، كعمر الراتب بعد نزوله بيومين. يحتاج إلى حرصٍ وهدوء عند قطفه، وكأنك تتعامل مع قطعة كريستال لا مع فاكهة. أما لبُّ البذرة، ففي بعض الأحيان يذوب في الفم مثل السلافة، لدرجة أنك تشعر أن المشمش كان مشروع حلويات فاخرة قبل أن يتحول إلى مثل شعبي للسخرية والمماطلة.

وفي آخر الموسم، يبدأ الناس بتحويله إلى مربّى، وقمر الدين، وعصائر، وكأنهم يحاولون تخليد ذكراه قبل اختفائه السنوي المفاجئ. فالمشمش ليس مجرد فاكهة، بل زائر موسميٌّ سريع، يأتي قليلًا ويرحل كثيرًا، ثم يترك خلفه أمثالًا شعبيةً وحيرةً فلسفيةً لا تنتهي.

ورغم كل البحث والتحري والاستفسار من الوجوه الغانمة: جوجل، وAI، وما تبقّى من حكماء الإنترنت… ما زلت حتى هذه اللحظة لا أستطيع استيعاب الفرق الحقيقي بين "بالمشمش” و"المشمشية". وربما السرُّ كله أن البعض أصلًا لا يريدك أن تفهم… بل يريدك فقط أن تنتظر… بالمشمش والجمعة المشمشية.
تابعوا نبأ الأردن على Google News
تصميم و تطوير Vertex Web Solutions