د انور ابو عيد يكتب: ملف الدرجات القضائية والترفيعات
نبأ الأردن -
إلى أين والقاضي بين الاستحقاق والانتظار فهل يُنصِف القضاء رموزه ورجاله
في عمق المنظومة القانونية التي تُبنى عليها الدول وتتحقق بها سيادة القانون يبرز ملف الدرجات القضائية والترفيعات كقضية عدالة مؤسسية تمس جوهر السلطة القضائية ومستقبلها وهو ما دفع بالقاضي والمستشار المتقاعد الدكتور أنور أبو عيد إلى صياغة قراءة تحليلية بالغة الأهمية والخطورة تضع الإصبع على الجرح وتتساءل بكل موضوعية وصدق عن مدى إنصاف حراس العدالة في وقت يُفترض فيه أن القاضي الذي يُنصف الناس يستحق بالضرورة أن يُنصَف من مؤسسته ودولته على حد سواء إذ لا تُقاس قوة القضاء بعدد المحاكم وضخامة الأبنية ولا بكثرة التشريعات وإنما بمقدار ما يحظى به القاضي من رعاية وتقدير كونه يمثل القلب النابض لمنظومة العدالة برمتها وحيث أدرك المشرّع الأردني منذ عقود طويلة أهمية التدرج القضائي وجعل الدرجات سلماً مهنياً يعبّر عن الخبرة والكفاءة والتأهيل لتكريم العطاء وتحفيز الاجتهاد فإن الواقع العملي الحالي بات يطرح تساؤلاً مشروعاً وحاداً حول مدى عدالة أن يبلغ القاضي أو المدعي العام درجة النضج المهني الكامل وتتوفر فيه كافة الشروط القانونية والموضوعية للترفيع ثم يجد نفسه مضطراً للانتظار سنوات طويلة ومضنية لمجرد عدم توفر شاغر مالي أو إداري يحفظ له كرامته ومزاياه التي استحقها بعلمه وجهده وعرقه الأمر الذي جعل الزمن الوظيفي وبشكل يدعو للاستغراب أقوى أثراً من الكفاءة ذاتها وتحولت معه محطات الترفيع إلى ساحات انتظار طويلة ومحبطة تفرغ فلسفة التدرج القضائي من مضمونها النبيل وتتعارض بشكل صارخ مع التطلعات الملكية السامية والأوراق النقاشية التي خطها جلالة الملك المفدى لإعادة تأهيل الكفاءات وربط الحاضر بالماضي العريق للقضاء الأردني مما يضع الحكومة الرشيدة ووزارة العدل والمجلس القضائي أمام مسؤولية وطنية كبرى للإجابة الفورية عن أسئلة حائرة ومؤجلة برسم الإجابة وتتعلق بكشف الأعداد الحقيقية للقضاة المستحقين للترفيع مقارنة بالدرجات الشاغرة وخلفيات النقص الحاد في الكوادر وأسباب الإحجام عن التوسع في تعيين القضاة من المحامين الأساتذة أصحاب الخبرات الطويلة لسد هذا العجز الملحة وتغطية ضغط العمل المتزايد بدلاً من ترك القاضي رهيناً لسنوات انتظار غير معلومة ومبهمة تنال من استقراره النفسي والوظيفي وتؤثر على مرفق العدالة الذي لا يمكن بحال من الأحوال قياسه بمقاييس الوظيفة العامة التقليدية لأن القاضي ليس مجرد موظف يتلقى التعليمات بل هو صاحب ولاية دستورية مستقلة ورسالة إنسانية وحامل لأمانة عظيمة وشريك أساسي في حماية الدولة واستقرارها ومن هنا يأتي التساؤل الجدلي والمحوري حول جدوى إنفاق الملايين من الدنانير على إنشاء مشاريع ترفيهية ومباني مثل نادي القضاة وشاليهات العقبة والتي حُسمت كلفتها أصلاً من رواتب القضاة وأنفسهم بينما لا يجدون الوقت مطلقاً لزيارتها أو الاستجمام فيها نظراً لضخامة العبء الملقى على عاتقهم وسهرهم المتواصل بين ملفات القضايا ودراسة الوقائع والنصوص والاجتهادات التي تستنزف صحتهم وأعمارهم مما يجعل الاستثمار الحقيقي في الإنسان وفي القاضي ونظام درجاته وسلمه الوظيفي وزيادة راتبه وتوفير تأمين صحي مثالي يليق بكرامته وبعائلته أولى بكثير وأجدر بالاهتمام من الخوف غير المبرر من التكاليف المالية الزائدة لكون مؤسسة القضاء لا تضاهيها أية منزلة في الدولة ولا يجوز ربط استقلالها المالي والاداري بموافقات حكومية روتينية حتى لشراء المستلزمات المكتبية والمحروقات خاصة وأن الاستقلال الحقيقي لم يصنعه سوى القضاة الأجلاء بشخوصهم وإنجازاتهم وتحملهم للأوزان الثقيلة من الحقوق والحريات والدماء والأموال والمصائر الإنسانية التي يقررونها بأحكامهم يومياً بضمير حي لا سلطان عليه إلا القانون وحيث أن العدالة لا تتجزأ فإن اللحظة التي تُنصف فيها الدولة قضاتها وتمنحهم حقوقهم دون تأخير هي اللحظة التي تُكرم فيها العدالة نفسها وترفع من شأن القانون وتعزز ثقة المجتمع بمؤسساته وتؤكد للعالم أجمع أن هيبة الدولة تبدأ دائماً من القاضي وأن العدالة تبدأ بإنصاف حارسها وطمأنته على مستقبله ومستقبل عائلته ليظل القضاء تاج الدولة الحصين وضميرها الحي ونبضها الذي لا يموت عندما تضيق بالناس السبل وتتشابك أمامهم الحقوق

























