اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

دأمجد الفاهوم يكتب: البوتاس والبرومين في الأردن… حين تتحول الثروات الطبيعية إلى مشروع وطن

دأمجد الفاهوم يكتب: البوتاس والبرومين في الأردن… حين تتحول الثروات الطبيعية إلى مشروع وطن
نبأ الأردن -
ليست الشركات الكبرى في الدول الناهضة مجرد كيانات اقتصادية تُقاس أرباحها في الميزانيات السنوية، بل تتحول مع الزمن إلى مؤسسات وطنية تصنع الفارق في التنمية، وتعيد رسم ملامح الاقتصاد والمجتمع، وتصبح جزءاً من ذاكرة الدولة ومسارها التنموي. وفي الأردن، تبدو تجربة شركة البوتاس العربية وشركة برومين الأردن نموذجاً لافتاً في كيفية تحويل الموارد الطبيعية المحدودة إلى قيمة اقتصادية مضافة، وفرص عمل، واستثمارات إنتاجية، ومنصات للابتكار الصناعي والتقني.

وقد حملت زيارة جلالة الملك عبد الله الثاني اليوم إلى غور الصافي دلالات تتجاوز الافتتاحات الرسمية، لتؤكد مجدداً أن قطاع التعدين والصناعات الاستخراجية المتقدمة يمثل أحد أعمدة الاقتصاد الوطني، وأن البناء على الإنجازات الإنتاجية والتقنية لم يعد خياراً، بل ضرورة استراتيجية لتعزيز الاستقلال الاقتصادي ورفع تنافسية الأردن في الأسواق العالمية.
شركة البوتاس الأردنية ليست مجرد شركة تستخرج الأملاح من البحر الميت، بل قصة وطنية في استثمار الجغرافيا وتحويل التحديات البيئية والطبيعية إلى ميزة تنافسية عالمية. فالبوتاس مادة أساسية تدخل في صناعة الأسمدة وتحقيق الأمن الغذائي العالمي، ما يمنح الأردن مكانة خاصة في سوق دولية ترتبط مباشرة بإنتاج الغذاء واستدامة الزراعة.

ومع افتتاح مشروع توسعة الملاحات الشمسية ومحطة توليد الطاقة الكهربائية والبخار الجديدة بكلفة بلغت نحو 75 مليون دينار، تتضح رؤية الشركة في الانتقال من نموذج الإنتاج التقليدي إلى نموذج يعتمد على رفع الكفاءة والإنتاجية والطاقة المستدامة. فالملاحات الشمسية الجديدة لا تعني مجرد توسعة تشغيلية، بل تمثل استثماراً في تعظيم الاستفادة من الطبيعة ذاتها، عبر رفع الطاقة الإنتاجية للبوتاس بما يقارب 35 ألف طن سنوياً، وهي زيادة تحمل آثاراً مباشرة على الصادرات الوطنية والإيرادات والقدرة التنافسية في الأسواق الدولية.

أما محطة الطاقة الكهربائية والبخار الجديدة، فهي تعكس تحولاً إدارياً وصناعياً يقوم على استشراف المستقبل بدلاً من الاكتفاء بإدارة الحاضر. فمع تزايد الطلب المتوقع على الطاقة والبخار نتيجة التوسعات الصناعية، يصبح الاستثمار المبكر في البنية التحتية الذكية للطاقة خطوة استراتيجية تخفض الكلف التشغيلية وتحسن كفاءة التشغيل وتدعم استدامة النمو الصناعي.

وفي الجانب الإداري، نجحت الشركة خلال السنوات الماضية في ترسيخ مفهوم الإدارة الصناعية الحديثة، التي لا تكتفي بتحقيق الربحية، بل تربط الأداء بالإنتاجية والاستدامة والمسؤولية المجتمعية. فالشركات الناجحة عالمياً لم تعد تُقاس فقط بحجم الإنتاج، وإنما بقدرتها على خلق منظومة متكاملة من القيمة المضافة تشمل التوظيف، ونقل المعرفة، وتطوير المهارات، وتعزيز سلاسل التوريد المحلية، وتقليل الاعتماد على الخارج.

وفي هذا السياق، تبدو تجربة شركة برومين الأردنية مثالاً متقدماً على الانتقال من تصدير المواد الخام إلى تعظيم القيمة الصناعية. فمنذ تأسيسها عام 1999 بشراكة استراتيجية مع Albemarle Corporation الأمريكية، استطاعت الشركة أن تصبح أحد أكبر منتجي ومصدري البرومين في العالم، وأن تغطي نحو ثلث الطلب العالمي، مع وصول منتجاتها إلى عشرات الأسواق الدولية.

ولا تكمن أهمية البرومين في حجمه التجاري فقط، بل في تنوع استخداماته ذات القيمة العالية، إذ يدخل في الصناعات الدوائية والزراعية والبترولية والكيماوية المتقدمة، وهو ما يمنح الأردن فرصة للتحول من اقتصاد يعتمد على تصدير المواد الأولية إلى اقتصاد قائم على الصناعات التحويلية المتخصصة.

وقد حمل افتتاح مشروع "نيبو” وإطلاق مشروعي "النسر” و”لافا” رسالة واضحة مفادها أن الاستثمار الصناعي الحديث لم يعد يقتصر على زيادة الإنتاج، بل أصبح يقوم على الابتكار والكفاءة والاستدامة. فمشروع "نيبو” يهدف إلى تطوير طرق أقل كلفة وأكثر كفاءة لتحويل مدخلات البرومين إلى منتجات نهائية، مع تقليل استهلاك الطاقة والمياه، وهو توجه يتماشى مع المعايير العالمية للصناعة الخضراء والاقتصاد الدائري.

أما مشروعَا "النسر” و”لافا”، فيعكسان فهماً إدارياً متقدماً للتحديات التشغيلية، من خلال تعزيز القدرة التشغيلية للمصنع ورفع الكفاءة الإنتاجية ومعالجة الاختناقات الفنية قبل أن تتحول إلى معيقات للنمو.

اقتصادياً، تلعب شركتا البوتاس والبرومين دوراً محورياً في دعم الناتج المحلي الإجمالي، وزيادة الصادرات، وجذب العملة الأجنبية، وتحفيز قطاع التعدين الأردني الذي يُعد أحد القطاعات الواعدة في رؤية التحديث الاقتصادي. كما تسهمان في دعم الميزان التجاري ورفع قدرة الأردن على المنافسة في أسواق تتسم بالتقلب والحساسية الجيوسياسية.

أما اجتماعياً، فتبرز مساهماتهما بوضوح في المجتمعات المحلية، خصوصاً في مناطق الأغوار الجنوبية وغور الصافي، عبر توفير فرص العمل، ودعم المشاريع المجتمعية، والمساهمة في التعليم والصحة والبنية التحتية المحلية. وتوفر شركة برومين الأردن وحدها أكثر من 700 فرصة عمل، يذهب نصفها تقريباً لأبناء المجتمع المحلي، وهي دلالة على نموذج تنموي يحاول تحويل الثروة الطبيعية إلى استقرار اجتماعي وفرص حياة كريمة.

لكن السؤال الأهم لا يتعلق بما تحقق فقط، بل بما يمكن أن يتحقق مستقبلاً. فالأردن يقف أمام فرصة استراتيجية تتمثل في الانتقال من تصدير البوتاس والبرومين كمادة أولية أو شبه مصنعة إلى تطوير صناعات تحويلية متقدمة قائمة عليهما. لماذا لا يصبح الأردن مركزاً إقليمياً لصناعة الأسمدة الذكية، والكيماويات المتخصصة، والمركبات الدوائية والزراعية ذات القيمة المرتفعة؟ ولماذا لا تتحول الصناعات التعدينية إلى قاعدة بحثية تقنية ترتبط بالجامعات ومراكز الابتكار وتغذي الاقتصاد المعرفي؟

إن زيارة جلالة الملك اليوم لم تكن مجرد متابعة لمشاريع إنتاجية، بل تأكيداً على أن مستقبل الأردن الصناعي يبدأ من تعظيم القيمة المضافة لما نملك، وتحويل الموارد الطبيعية إلى صناعات متقدمة، والمعرفة إلى قوة إنتاجية، والاستثمار إلى تنمية مستدامة. فالرسالة الأساسية واضحة: الثروة الحقيقية لا تكمن في ما تختزنه الأرض وحدها، بل في قدرة الدولة على بناء منظومة صناعية متكاملة تُشغّل العقول، وتخلق فرص العمل، وتعزز الاستقلال الاقتصادي.

ومن هنا، فإن المرحلة المقبلة تستدعي رؤية أكثر جرأة وطموحاً؛ رؤية تجعل من الأردن مركزاً إقليمياً للصناعات التعدينية والتحويلية المتقدمة، وتربط بين الجامعات والبحث العلمي والاستثمار الصناعي، وتفتح الباب أمام أجيال جديدة من الابتكار والإنتاج. فالتنمية الصناعية ليست خياراً مؤقتاً، بل مشروع وطن طويل الأمد، يبدأ اليوم بإرادة واضحة، ويكبر بالشراكة بين الدولة والقطاع الخاص، ليصنع أردناً أكثر قوة وقدرة وازدهاراً.
تابعوا نبأ الأردن على Google News
تصميم و تطوير Vertex Web Solutions