اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

د. عطاالله الشرعة يكتب :الأمن والأمان في الأردن بين تحديات التحول الاجتماعي وأسئلة العدالة والردع

د. عطاالله الشرعة  يكتب :الأمن والأمان في الأردن بين تحديات التحول الاجتماعي وأسئلة العدالة والردع
نبأ الأردن -
يشكل الأمن والأمان أحد أهم ركائز الاستقرار الاجتماعي في أي دولة، ليس بوصفه غياباً للجريمة فحسب، بل باعتباره شعوراً عاماً بالثقة في قدرة القانون والمؤسسات على حماية المواطنين وصون حقوقهم دون تمييز. وفي السياق الأردني، يتزايد النقاش العام حول هذا الشعور في ظل حوادث متفرقة باتت تثير تساؤلات أوسع حول طبيعة الواقع الاجتماعي وآليات تطبيق القانون.
شهد الأردن خلال العقود الماضية تحولاً ديموغرافياً كبيراً، إذ انتقل من مجتمع محدود العدد إلى دولة يتجاوز عدد سكانها اليوم 11 مليون نسمة، ما رافقه تنوع اجتماعي واسع وضغوط اقتصادية وخدمية متزايدة. هذا التحول الطبيعي فرض تحديات إضافية على منظومة الأمن والعدالة والخدمات العامة، وأعاد تشكيل طبيعة العلاقات الاجتماعية وأنماط التفاعل داخل المجتمع.

ورغم هذا السياق الموضوعي، يعبّر جزء من المواطنين عن شعور متنامٍ بأن مستوى الأمان لم يعد كما كان في السابق، وأن بعض مظاهر العنف أو الاحتكاك الاجتماعي باتت أكثر حضوراً وجرأة. هذا الإحساس، سواء كان مرتبطاً بزيادة فعلية في بعض السلوكيات أو بتضخم تأثير الحوادث في الوعي العام، ينعكس بشكل مباشر على مستوى الثقة بالمنظومة العامة.

وفي هذا الإطار، برزت خلال الفترة الأخيرة حوادث أثارت اهتماماً واسعاً في الرأي العام، من بينها مثلاً حادثة اعتداء على عائلة أثناء تواجدها في منطقة سياحية باستخدام أدوات حادة، وغيرها.
ورغم أن تفاصيل هذه الوقائع تبقى خاضعة للتحقيقات والإجراءات القضائية، إلا أن تأثيرها المجتمعي أعاد طرح تساؤلات حول حدود الردع وفعالية الحماية القانونية.

وتتمثل إحدى الإشكاليات المطروحة في الفجوة بين النص القانوني وتطبيقه العملي، إذ يرى بعض المواطنين أن مسار الشكاوى والإجراءات القضائية قد يبدو في بعض الحالات معقداً أو غير مطمئن من حيث توازن الحماية بين الأطراف، ما ينعكس على الإحساس العام بالعدالة. وفي المقابل، تؤكد المرجعية القانونية أن الدولة هي الجهة الوحيدة المخولة بإنفاذ القانون، وأن أي نزاع يجب أن يُدار ضمن الأطر القضائية الرسمية دون اللجوء إلى ردود فعل فردية.

كما تتصاعد في الخطاب المجتمعي مطالب واضحة بتشديد الإجراءات والعقوبات بحق مرتكبي أعمال البلطجة وفرض الإتاوات، وعدم التساهل مع هذه الظواهر تحت أي مسمى أو اعتبارات، إلى جانب تعزيز الحماية القانونية للمشتكي، بما يضمن عدم تحوله إلى طرف ضعيف أو معرض للضغط أثناء سير الإجراءات.

وفي المقابل، لا يمكن فصل بعض الحوادث المؤلمة التي تتطور إلى مستويات خطيرة عن سياقات اجتماعية واقتصادية أوسع، تشمل الضغوط المعيشية والبطالة وضعف الفرص، وهي عوامل قد تسهم في إنتاج سلوكيات منحرفة أو عنيفة لدى بعض الأفراد. إلا أن ذلك لا يلغي القاعدة الأساسية التي تؤكد أن الدولة هي الجهة الوحيدة المسؤولة عن فرض القانون وحماية المجتمع.

وفي هذا السياق، يتم استحضار تجارب سابقة لشخصيات أمنية عُرفت بالحزم في مواجهة الفوضى والجريمة، كرمز لفكرة أن الردع الفعال يشكل جزءاً أساسياً من استعادة الانضباط المجتمعي، مع التأكيد أن تطبيق القانون يجب أن يبقى ضمن إطار العدالة والمؤسسات دون تجاوز أو انتقائية.

وفي المحصلة، لا يقتصر تقييم الأمن في أي مجتمع على عدد الحوادث أو انخفاضها، بل يمتد ليشمل مستوى الثقة العامة في العدالة، وشعور المواطن بأن حقوقه مصونة وأنه محمي داخل منظومة قانونية عادلة وفعالة. وعليه، فإن تعزيز هذا الشعور يتطلب مقاربة شاملة تجمع بين الحزم في تطبيق القانون، وتطوير الإجراءات العدلية، ومعالجة الأسباب الاجتماعية والاقتصادية المرتبطة بظواهر العنف.

ويبقى الأمن، في جوهره، ليس مجرد غياب للجريمة، بل حضور فعلي للعدالة، واستقرار في شعور المواطن بأن القانون يحميه دون تردد أو تمييز
تابعوا نبأ الأردن على Google News
تصميم و تطوير Vertex Web Solutions