ايهاب سلامة يكتب: أحمديان والجزيرة.. هل صنع الرجل المشهد أم "صنعه المشهد"؟!
نبأ الأردن -
ما يجرى على شاشة الجزيرة مؤخرا لم يكن مجرد مناظرات سياسية عابرة، بل كانت دروسًا مكثفة في كيفية تشكّل الصورة الذهنية لدى الجمهور، وسواء كان ذلك مقصودًا أو نتاج خطأ في التقدير، فقد انتهى المشهد إلى منح السياسي الإيراني حسن أحمديان ما لا تمنحه عشرات المقابلات المنفردة : موقع "الرجل المحاصر" الذي يدافع وحيدًا عن روايته في مواجهة جبهة كاملة من الخصوم!
في علم الاتصال السياسي، لا ينتصر دائمًا صاحب الرواية الأقوى، بل صاحب الموقع الرمزي الأكثر قدرة على استدرار التعاطف وإظهار الثبات تحت الضغط. وحين يُدفع ضيف واحد إلى مواجهة مجموعة من المحاورين أو الضيوف المتفقين ضمنًا على تفنيد طرحه، فإن ميزان الإدراك الجماهيري يبدأ بالانحراف تلقائيًا لصالحه، حتى لو كان الجمهور يختلف معه جذريًا، فالفطرة الإنسانية تميل إلى مؤازرة من يبدو وحيدًا في ساحة مكتظة بالخصوم، وتنجذب إلى صورة الصامد أكثر من انجذابها إلى كثرة المهاجمين!
المفارقة، أن خصوم أحمديان لم يكونوا ضعفاء حجة ولا فقراء معرفة، غير أن كثافة الهجوم وتعدد مصادره وتعددهم أيضا، أضعفت الأثر التراكمي لخطابهم، وحولت النقاش من مساءلة للرواية الإيرانية إلى اختبار لقدرة ممثلها على الصمود.. وهنا تحديدًا برز تفوق أحمديان، إذ ظهر متماسكًا، سريع البديهة، منضبطًا في رسائله، حافظًا درسه عن ظهر قلب، ومدركًا تمامًا للفارق بين كسب النقاش وكسب الجمهور. فهو لم يكن يناقش فقط، بل أخطر من ذلك بكثير، فقد كان يدير انطباعًا عامًا يتشكل أمام ملايين المشاهدين!
السؤال الذي يفرض نفسه ليس ما إذا كانت الجزيرة قد "منحت" الرجل منصة، فكل ضيف يُمنح منصة بحكم طبيعة العمل الإعلامي، بل ما إذا كانت قد أدركت أن "هندسة المشهد" نفسها ستخدمه أكثر مما ستخدم مناوئيه!
فالإعلام لا يصنع التأثير بالمحتوى وحده، وإنما أيضًا بتوزيع الأدوار، وإدارة التوازنات البصرية والنفسية داخل الحلقة، وعندما يخرج انطباع المشاهد من الحلقة متذكرًا صمود الضيف أكثر من تهافت خصومه عليه، فإن النتيجة تكون قد حُسمت في مستوى الإدراك قبل أن تُحسم في مستوى الحجج!
وفي المحصلة، بدا المشهد وكأن الجميع دخلوا الحلقة لمحاصرة أحمديان، لكن ما حدث فعليًا هو العكس، إذ استطاع أن يحول الحصار إلى فرصة، والهجوم إلى وقود، والاصطفاف ضده إلى شهادة قوة لصالحه. لذلك لم يخرج من الحلقة بوصفه الضيف الذي دافع عن الرواية الإيرانية فحسب، بل خرج في نظر شريحة واسعة من المتابعين، باعتباره الرجل الذي واجه الجميع ولم ينكسر.، وفي معارك الصورة، ربما هذه هي "الغنيمة الأكبر" التي تدركها أو لا تدركها الجزيرة.. الله أعلم!


























