علي الطراونة يكتب:بين الهاتف والحقيقة... من يحاسب صُنّاع الشائعات؟
نبأ الأردن -
إذا كانت هناك نصوص قانونية تمنع تصوير الحوادث الأمنية والجرمية وحوادث السير ونشرها عبر وسائل التواصل الاجتماعي، فيجب تفعيلها بحزم. وإذا لم تكن موجودة، فقد حان الوقت لفتح نقاش جاد حول إقرار تشريعات تنظم هذا الملف وتحمي المجتمع من فوضى النشر.
ففي كثير من الأحيان، يتحول بعض الأشخاص من شهود على الحادث إلى صانعي محتوى، ومن مساعدين للمصابين إلى باحثين عن المشاهدات والإعجابات. تُنشر صور الضحايا والمصابين، وتُتداول مقاطع الحوادث قبل وصول الجهات المختصة، وتُصنع الروايات والتفسيرات والاتهامات قبل انتهاء التحقيق.
ولعل ما حدث بالأمس خير مثال على ذلك، حيث ظهر أحد الأشخاص وهو يصوّر من موقع الحادث في منطقة الأشرفية ويؤكد بثقة أن عدد القتلى وصل إلى سبعة أشخاص، بينهم ثلاثة من رجال الشرطة، ليتبين لاحقاً أن هذه المعلومات غير صحيحة على الإطلاق. لكن السؤال الأهم: كم شخصاً شاهد المقطع؟ وكم عائلة أصابها الذعر؟ وكم إشاعة انتشرت خلال دقائق بسبب معلومة مختلقة أو غير دقيقة؟
هذه الممارسات لا تسيء فقط للضحايا وذويهم، بل قد تربك عمل الأجهزة الأمنية، وتؤثر على سير التحقيقات، وتثير الهلع بين المواطنين، وتحوّل الشائعة إلى "حقيقة" في نظر آلاف المتابعين قبل صدور أي معلومة رسمية.
وبالمثل، فإن العمل الإعلاني والترويجي عبر وسائل التواصل الاجتماعي الذي يمارسه المشاهير كما يسمونهم، لم يعد نشاطاً شخصياً عابراً، بل أصبح صناعة مؤثرة اقتصادياً واجتماعياً وإعلامياً، ومن غير المنطقي أن يبقى بلا ضوابط أو معايير أو مساءلة.
المطلوب ليس تقييد الحريات، بل تنظيمها. فحرية التعبير لا تعني حرية اختلاق الأخبار، وحرية التصوير لا تعني نشر معلومات غير موثقة أو استغلال المآسي لتحقيق الانتشار والشهرة.
لقد أصبح الهاتف الذكي في يد البعض أشبه بمنصة إعلامية كاملة، ولذلك يجب أن تقترن هذه القوة بالمسؤولية والمحاسبة. فمن يروّج خبراً كاذباً أثناء حادث أمني أو جريمة أو كارثة لا يمارس حرية التعبير، بل يساهم في تضليل الرأي العام وإثارة الخوف والفوضى.
الأردن بحاجة إلى تشريعات أكثر وضوحاً وحزماً تجاه نشر المعلومات الكاذبة من مواقع الحوادث، كما يحتاج إلى وعي مجتمعي يدرك أن أول واجب عند وقوع أي حادث هو مساعدة المصابين وترك المعلومة للجهات المختصة، لا التنافس على من ينشر أولاً ولو كانت الحقيقة آخر ما يفكر به.


























