م صلاح طه عبيدات يكتب : لقد أخطأت في قراءة الأردن و قراءة التاريخ؟ يا جواد
نبأ الأردن -
لو كان الأردن كما وصفته، ولو كان مجرد "دولة فصل" أو نتاجاً عابراً لخرائط القوى الكبرى، فكيف جئت أنت إليه وزيراً ومسؤولاً وصاحب قرار؟ وكيف أمضيت عقوداً في مؤسسات هذه الدولة التي تنتقد اليوم فلسفة وجودها وكأنك كنت غريباً عنها؟
لو كان الأردن مجرد حاجز جغرافي كما أوحت كلماتك، لما صنع رجالاً، ولما بنى مؤسسات، ولما منح الفرص لأجيال من أبنائه، ومن بينهم أنت.
لكن المشكلة ليست في الأردن يا جواد...
المشكلة في الرواية التي تحاول أن تختزل قرناً من التضحيات والإنجازات في تفسير سياسي ضيق لا يصمد أمام التاريخ.
ماذا نقول اليوم لآلاف الشهداء الأردنيين الذين ارتوت بدمائهم ثرى القدس واللطرون وباب الواد وجنين والكرامة؟
ماذا نقول لجنود الجيش العربي الذين لم يسألوا يوماً إن كان الأردن "دولة فصل" أم "دولة وصل"، بل حملوا أرواحهم على أكفهم دفاعاً عن فلسطين وعن الكرامة العربية؟
هل نقول لهم إنهم ماتوا دفاعاً عن كيان وظيفي؟
هل نقول لأمهاتهم إن أبناءهن استشهدوا من أجل حدود رسمها موظف أجنبي على خريطة؟
كلا يا جواد...
فهؤلاء صنعوا بشرعية الدم ما هو أعظم من كل النظريات السياسية وأبقى من كل التحليلات العابرة.
ثم دعنا نسأل السؤال الذي يتجنبه كثيرون:
هل كان الأردن وحده نتاج مرحلة سايكس ـ بيكو؟
ألم تولد معظم دول المنطقة الحديثة في السياق التاريخي ذاته؟
أم أن الأردن وحده هو المتهم، بينما تُمنح بقية الدول صكوك الشرعية والتاريخ؟
إن كان المعيار هو ظروف النشأة، فإن معظم خرائط المنطقة الحديثة تشترك في الظروف نفسها. أما إذا كان المعيار هو الإنجاز والصمود وبناء الدولة، فإن الأردن يملك من الشرعية السياسية والوطنية ما يجعله أكبر من كل محاولات الاختزال.
والأغرب من ذلك كله أن بعض الخطابات توحي وكأن الأمة العربية كانت تقف على أبواب الوحدة والتحرير الشامل، ثم جاء الأردن ليحول دون ذلك!
حقاً يا جواد؟
هل كانت الطريق معبدة إلى الوحدة العربية؟
هل كانت الجيوش العربية على وشك إزالة الحدود وإقامة الدولة الواحدة؟
هل كانت مشاريع النهضة العربية تتقدم بلا عوائق، ثم ظهر الأردن فجأة ليقطع الطريق عليها؟
التاريخ يقول غير ذلك.
التاريخ يقول إن الأمة العربية واجهت استعماراً وتقاسماً دولياً وصراعات داخلية وانقلابات ومشاريع متناقضة، وإن تعثرها كان نتيجة شبكة معقدة من الأسباب، لا نتيجة وجود الأردن.
بل إن الأردن، في أحلك الظروف، كان جزءاً من المشروع العربي لا عقبة في وجهه، وجزءاً من الدفاع عن فلسطين لا فاصلاً بينها وبين العرب، وجزءاً من استقرار الإقليم لا سبباً في أزماته.
يا جواد...
قد يختلف الناس في السياسة، وقد تتباين قراءاتهم للتاريخ، لكن هناك فرقاً بين النقد وبين الانتقاص من وطن كامل.
وهناك فرق بين مراجعة التجربة وبين السخرية من أسباب وجود الدولة.
الأردن لم يعش قرناً كاملاً لأنه خطأ تاريخي.
ولم يصمد وسط العواصف لأنه مجرد وظيفة جغرافية.
ولم يقدّم الشهداء ويحتضن الملايين ويبني المؤسسات ويحافظ على الدولة لأنه حادث عابر في كتاب السياسة.
لقد بقي الأردن لأن فيه شعباً آمن به، وجيشاً حماه، وقيادة بنت مؤسساته، ورجالاً ونساءً صنعوا من الصحراء دولة ومن التحديات قصة نجاح.
أما وصفه بدولة فصل، فذلك لا يختزل الأردن فقط...
بل يختزل تضحيات الأردنيين جميعاً.


























