اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

د. وليد العريض يكتب: حين قرر البرتقالي أن يحكم التاريخ من هاتفه

د. وليد العريض يكتب: حين قرر البرتقالي أن يحكم التاريخ من هاتفه
نبأ الأردن -
لا أحد يعرف على وجه الدقة ماذا حدث في ذلك اليوم العجيب الذي بدا فيه العالم وكأنه استيقظ داخل مسرح هزلي ضخم يديره رجل واحد وهاتف واحد وإبهام لا يعرف التعب. ففي أقل من ساعة انهمرت عشرات المنشورات والتصريحات والصور والتعليقات كأن سدًا هائلًا قد انهار فوق رؤوس المتابعين ولم يعد أحد قادرًا على التمييز بين بيان حرب وخاطرة شخصية وإعلان انتخابي وطلب غير مباشر للحصول على جائزة نوبل للسلام.
 كان المشهد أشبه بإمبراطور ضجر من حكم دولة فقرر أن يحكم الزمن نفسه وأن يعيد كتابة التاريخ كل خمس دقائق بحسب مزاجه وحجم التصفيق الذي يصله من الشاشة.

مرة يعلن أن الحرب على إيران لم تحقق ما كان يجب أن تحققه وأن الجيش الإيراني لم يُدمَّر كما ينبغي ثم يعود بعد قليل ليتحدث بلغة المنتصر الذي لم يترك حجرًا فوق حجر ثم ينتقل فورًا إلى مهاجمة خصومه وكأن الشرق الأوسط كله مجرد محطة انتظار بين معركة شخصية مع بايدن وأخرى مع أوباما. بدا الأمر وكأن الرجل يحمل دفترًا قديمًا مليئًا بالأسماء التي أزعجته يومًا ما ويستيقظ كل صباح ليتأكد أن أحدًا منهم لم يفلت من العقاب الإلكتروني.
لم تعد السياسة هنا إدارة دولة بل تحولت إلى تصفية حسابات عمرها سنوات طويلة يجري بثها مباشرة أمام العالم كله.

ثم جاءت اللحظة الأكثر إثارة حين بدأ الحديث عن نفسه كما لو أن التاريخ البشري كله لم يكن سوى مقدمة طويلة لوصوله. جورج واشنطن المسكين الذي خاض حرب الاستقلال ربما لم يتخيل أن يأتي يوم يجد فيه نفسه موضوع مقارنة مع رجل يقيس عظمة القادة بعدد المنشورات في الساعة. ولو عاد واشنطن من قبره لربما طلب العودة إليه فورًا قبل أن يسمع بقية المقارنة. فالتاريخ عند بعض الساسة لم يعد سجلًا للأحداث بل مرآة ضخمة لا تعكس سوى صورة صاحبها مهما كانت الوقائع حولها.

أما جائزة نوبل للسلام فقد تحولت إلى قصة حب من طرف واحد. كل عام يقترب منها أكثر في تصريحاته وتبتعد عنه أكثر في الواقع. يذكرها كما يذكر شاعر مهجور حبيبته القديمة ويتحدث عنها كما لو أن اللجنة النرويجية تستيقظ كل صباح خصيصًا لتفكر في كيفية حرمانه من حقه الطبيعي المقدس في الوقوف على منصة التتويج.

 ولو أمكن تعديل قوانين الفيزياء لربما اقترح أن تُمنح الجائزة لمن يطالب بها أكثر من غيره توفيرًا للوقت والجهد.

ثم ظهرت الصور مع ملك بريطانيا وكأن الرجل قرر أن يوسع نطاق العرض. فإذا كان رئيسًا سابقًا في أمريكا فلماذا لا يبدو أيضًا كأنه وصي على الإمبراطورية البريطانية وحارس للتاريخ الأوروبي ومرشد روحي للجغرافيا السياسية في الكوكب كله.

 كانت الصور تقول ما لا تقوله الكلمات. انظروا إليّ فأنا حاضر في كل مكان وأعرف كل أحد وأصافح كل تاج وأقف في منتصف كل صورة حتى لو لم يكن المشهد يحتاجني أصلًا.
والحقيقة أن أكثر ما يثير الدهشة ليس ما يقوله الرجل بل كمية ما يقوله. خمس وخمسون تغريدة أو منشورًا أو تعليقًا خلال فترة قصيرة ليست نشاطًا سياسيًا بقدر ما هي فيضان لغوي هائل يجعل المتابع يشعر أنه يطارد قطارًا فقد مكابحه على منحدر طويل.

 وما إن ينتهي من قراءة تصريح حتى يجد ثلاثة أخرى قد وصلت وأربعة تفسيرات وخمسة هجمات وستة انتصارات تاريخية جديدة.
حتى الأخبار نفسها بدت مرهقة من ملاحقته.

وفي نهاية اليوم جلس العالم يشاهد هذا العرض الطويل ثم طرح السؤال الذي لم يجد له جوابًا. هل كان يتحدث عن إيران أم عن نفسه. هل كان يناقش حربًا أم يروي سيرة ذاتية مفتوحة. هل كان يخاطب الناخبين أم يخاطب التاريخ أم يخاطب صورته في المرآة. لم يعد أحد يعرف. كل ما عرفه الناس أن المسرح كان مزدحمًا بشخصية واحدة فقط وأن بقية العالم لم يكن أكثر من جمهور أُجبر على مشاهدة العرض من بدايته إلى نهايته.

وهكذا مضى اليوم كما بدأ. هاتف يشتعل ومنشورات تتدفق وصور تتكاثر ومقارنات تاريخية تتساقط من السماء كأوراق الخريف بينما يجلس المواطن العادي في آخر القاعة يحدق في المشهد كله ويتمتم ساخرًا بأن أعظم قوة عسكرية واقتصادية في العالم تبدو أحيانًا وكأنها تُدار من قسم التعليقات على شبكة اجتماعية لا أكثر.
تابعوا نبأ الأردن على Google News
تصميم و تطوير Vertex Web Solutions