أ.د.اخليف الطراونة يكتب : عن تصريحات جواد العناني .. ومضة استغراب
نبأ الأردن -
معالي الدكتور جواد العناني
رئيس الديوان الملكي الأسبق
نائب رئيس الوزراء الأسبق
الوزير المكرر لأكثر من مرة
أستمع إلى حديثكم الأخير فأجد نفسي أمام تساؤل يتجاوز مضمون ما قيل إلى دوافع إثارته وتوقيته.
فالأردن ليس دولة اكتشفت نفسها بالأمس، ولا مجتمعاً ما زال يبحث عن روايته الوطنية أو يتلمس شرعية وجوده. وعلى امتداد السنوات الماضية، وخصوصاً خلال الاحتفاء بمئوية الدولة الأردنية، انشغلت النخب السياسية والفكرية والأكاديمية بمراجعة التجربة الأردنية وقراءة تاريخها وتحليل ظروف نشأتها ومسارات تطورها. ولم تكن هناك قضية نوقشت أكثر من قضية الدولة الأردنية وهويتها وسرديتها الوطنية.
لذلك يبدو مستغرباً من معاليكم العودة اليوم إلى أسئلة البدايات وكأنها ما تزال موضع اختبار، في الوقت الذي تجاوزتها الدولة والناس والتاريخ معاً.
فالدول لا تُقاس بظروف ولادتها الأولى، وإلا لما استقرت دولة في العالم. وإنما تُقاس بقدرتها على الاستمرار وإنتاج الشرعية وبناء المؤسسات وصياغة هوية وطنية جامعة. وهذا ما فعله الأردن على مدار أكثر من قرن من الزمن.
وحين نتحدث عن الأردن فإننا لا نتحدث عن خطوط على خارطة أو ترتيبات سياسية مضى عليها الزمن، بل عن دولة صمدت في محيط مضطرب، وحافظت على استقرارها، ورسخت مؤسساتها، وقدمت نموذجاً في الاعتدال والاتزان السياسي، حتى باتت تجربتها محل دراسة وتقدير في كثير من المحافل الدولية.
ولعل ما يزيد الاستغراب أن هذه الطروحات تأتي فيما يحتفل الأردنيون بالعيد الثمانين لاستقلالهم والذي كنت معالي الوزير جزء من كتابة سردية الدولة. ففي مثل هذه المناسبات تستحضر الأمم منجزاتها وتضحياتها ومحطاتها المضيئة، وتستذكر كيف انتقلت من مرحلة التأسيس إلى مرحلة الرسوخ، لا كيف تعود إلى الجدل حول ما حسمه التاريخ منذ زمن طويل.
والأمر يكتسب أهمية أكبر حين يصدر عن شخصية وطنية بحجم الدكتور جواد العناني، الذي عرفه الأردنيون مفكراً وكاتباً ومسؤولاً عاماً شغل مواقع متقدمة في الدولة، وكتب لعقود في الاقتصاد والسياسة والشأن العام. فمن حق الناس أن تتساءل عن الرسالة المراد إيصالها من هذا الطرح وبهذا الأسلوب التهكمي و في هذا التوقيت تحديداً، وعن القيمة المضافة التي يقدمها للنقاش الوطني في هذه المرحلة الدقيقة.
نختلف في الرأي، ونتفق أو نختلف في تفسير الأحداث والوقائع، لكننا نتفق جميعاً على حقيقة واحدة: أن الأردن لم يعد قصة تأسيس تُروى، بل تجربة دولة تُدرس. وأن شرعيته اليوم لا تستند إلى سردية تاريخية فحسب، بل إلى قرن كامل من الإنجاز والبناء والتضحيات والالتفاف الشعبي حول الدولة وقيادتها الهاشمية وشرعيتها الدينية والسياسية والتاريخية والعشائرية.
وفي زمن تعاد فيه صياغة السرديات وتُستهدف فيه الهويات الوطنية في أكثر من مكان، ربما تكون الحكمة في ترسيخ ما يجمع الأردنيين، لا في إعادة فتح أبواب ظن الجميع ان الزمن قد أغلقها.
























