اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

م مدحت الخطيب يكتب: لحم الضحية في عالمنا الثالث..

م مدحت الخطيب يكتب: لحم الضحية في عالمنا الثالث..
نبأ الأردن -
في عالمنا الثالث، لا يعيش المواطن بوصفه صاحب الحق، ولا باعتباره الغاية التي من أجلها تُبنى الدول وتُسن القوانين وتُرسم السياسات. بل يعيش أحياناً كـ"لحمة الضحية" في مأدبة كبيرة، يتقاسمها الجميع حتى لا يبقى له منها شيء.

ثلثٌ للأقربين... وثلثٌ للأبعدين... وثلثٌ لأهل الدار...

أما صاحب الضحية نفسه، فلا يناله سوى التعب، والفواتير، والانتظار الطويل.

هو الذي يدفع الضرائب والرسوم، ويتحمل ارتفاع الأسعار، ويصبر على تراجع الخدمات، ويقف في طوابير المؤسسات، ثم يُطلب منه بعد ذلك أن يكون أكثر صبراً وأكثر تفهماً وأكثر تحملاً.

في الدول المتقدمة تُقاس قوة الحكومات بمقدار ما تمنحه للمواطن من كرامة وفرص وعدالة، أما في كثير من بقاع عالمنا الثالث فما زال المواطن يُعامل وكأنه موردٌ لا شريك، ورقمٌ لا إنسان، وخزينة مفتوحة لا تنضب.

يتنافس الجميع على حصته: التاجر يريد ربحاً أكبر، والبيروقراطية تريد مزيداً من الرسوم، والفساد يبحث عن منافذه، والواسطة تبحث عن ضحاياها، والمتنفذون يبحثون عن امتيازاتهم.

وفي نهاية المشهد، يبقى المواطن وحيداً في مواجهة الحياة، يحمل أعباء الجميع فوق كتفيه.

المفارقة المؤلمة أن المواطن نفسه هو من يحرس الوطن عند الأزمات، ويدافع عنه عند الشدائد، ويقف خلف دولته عندما تتكالب الظروف. هو أول من يُطلب منه التضحية، وآخر من تصله ثمار التنمية.

ورغم كل ذلك، لا يزال هذا المواطن يستيقظ كل صباح وهو يحمل أملاً عنيداً بأن الغد قد يكون أفضل، وأن العدالة ليست حلماً مستحيلاً، وأن الوطن الذي يعطيه كل هذا الحب سيمنحه يوماً ما ما يستحقه من إنصاف.

فالأوطان لا تُقاس بعدد الأبراج ولا بحجم الموازنات، بل بمقدار ما يشعر المواطن فيها أنه إنسان كامل الحقوق، لا "لحمة ضحية" تتقاسمها الأيدي، بل شريك حقيقي في الوطن والثروة والقرار والمستقبل.

وعندما يصبح المواطن هو الأولوية لا الفاتورة، والغاية لا الوسيلة، والشريك لا الضحية... عندها فقط نغادر العالم الثالث، ولو بقيت الجغرافيا كما هي.

م مدحت الخطيب
تابعوا نبأ الأردن على Google News
تصميم و تطوير Vertex Web Solutions