يحيى الحموري يكتب: الأردن أكبر من الجاحدين وأبقى من المتقلبين
نبأ الأردن -
ليس أخطر على الأوطان من عدو يقف على حدودها، بل من كلمة تلقى باستخفاف في لحظة عابرة، فتطعن في وجدان الناس، وتعبث بصورة وطن دفع أبناؤه من أعمارهم وأحلامهم وأرواحهم ثمناً لبقائه وكرامته.
لقد تابع الأردنيون باستهجان ما نُسب إلى الدكتور جواد العناني من حديث تناول فيه خريطة الأردن بطريقة أثارت موجة واسعة من الاستغراب والرفض، لا لأن الأردنيين يقدسون الخرائط والأشكال الهندسية، بل لأنهم يدركون أن الأوطان ليست خطوطاً على الورق، ولا رسوماً على الخرائط، وإنما تاريخ من التضحيات، وذاكرة من المجد، ومسيرة دولة صنعت حضورها رغم العواصف والتحديات.
والأشد إيلاماً أن يصدر مثل هذا الحديث عن رجل تقلّد أرفع المناصب الرسمية، وتنقّل بين مواقع المسؤولية لعقود طويلة، فكان وزيراً وسفيراً ومسؤولاً ومستشاراً، وحظي بثقة الدولة ومؤسساتها، وشارك في صناعة القرار في مراحل مفصلية من تاريخ الأردن الحديث.
إن المسؤولية العامة ليست امتيازاً مؤقتاً ينتهي بانتهاء المنصب، بل عهد أخلاقي دائم. ومن جلس على مقاعد الدولة، واستظل برايتها، وتحدث باسمها في المحافل الدولية، يصبح مطالباً أكثر من غيره بأن يصون هيبتها ورمزيتها، وأن يزن كلماته بميزان الوطن لا بميزان الإثارة الإعلامية أو الدعابة العابرة.
الأردن لم يكن يوماً هبة جغرافية سهلة، ولم يولد على موائد القوى الكبرى، بل نشأ وسط بيئة إقليمية مضطربة، وتعرض لحروب وأزمات وضغوط هائلة، ومع ذلك استطاع أن يبني دولة مستقرة ومؤسسات راسخة وحضوراً سياسياً يفوق كثيراً من الدول الأكبر مساحةً وسكاناً وإمكانات.
فهل يُقاس الأردن بشكل خريطته؟
وهل تُختزل قيمة الأوطان في هيئة حدودها؟
إذا كان الأمر كذلك، فكم من دول العالم تحمل خرائط بأشكال غريبة ومتعرجة لا تخضع لأي معيار هندسي، ومع ذلك لم ينتقص ذلك من مكانتها أو سيادتها أو احترام شعوبها لها.
إن قيمة الوطن لا تكمن في شكل حدوده، بل في قوة مؤسساته، وفي تضحيات جيشه، وفي حكمة قيادته، وفي وعي شعبه، وفي قدرته على البقاء واقفاً حين تتساقط من حوله المشاريع والدول.
لقد تعلم الأردنيون أن وطنهم أكبر من الجغرافيا، وأعمق من السياسة، وأبقى من الأشخاص والمناصب. فالمسؤول يذهب، والوزارة تتغير، والكرسي يدور بين الناس، أما الأردن فيبقى.
ويبقى لأن أبناءه لم ينظروا إليه يوماً باعتباره مجرد قطعة أرض مرسومة على الخريطة، بل باعتباره قصة انتماء، وذاكرة أجداد، ومستقبل أجيال.
ومن حق الأردنيين أن يختلفوا في السياسة والاقتصاد والإدارة، وأن يناقشوا الأخطاء والتحديات بصراحة ومسؤولية، لكن من واجب الجميع، وخاصة من شغلوا مواقع القرار، أن يميزوا بين النقد البنّاء الذي يهدف إلى الإصلاح، وبين الخطاب الذي يُفهم منه الانتقاص من صورة الدولة أو التقليل من شأنها.
إن الأوطان لا تحتاج إلى المديح الأجوف، لكنها تحتاج إلى الوفاء.
ولا تحتاج إلى التصفيق الدائم، لكنها تحتاج إلى الإنصاف.
ولا تحتاج إلى من يزين الواقع، لكنها تحتاج أيضاً إلى من يحفظ هيبتها ويصون رموزها.
وفي النهاية، سيبقى الأردن أكبر من أي تصريح، وأوسع من أي اجتهاد، وأرسخ من أي جدل عابر. وسيبقى وطناً صنعه الهاشميون بالحكمة، وحماه الجيش بالتضحية، وبناه الأردنيون بالعرق والصبر والإيمان.
أما الكلمات العابرة، فتمضي مع الزمن.
وأما الأوطان، فتبقى.
يحيى الحموري























