اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

عمر الدريني يكتب: ترياق السلم المجتمعي: العفو العام المنتظر ومخاض التحولات الراهنة

عمر الدريني يكتب: ترياق السلم المجتمعي: العفو العام المنتظر ومخاض التحولات الراهنة
نبأ الأردن -
*عتبة البدء:حين تتكلم روح المشرّع* 
​ليست القوانين جدراناً مصمتة تشيدها الدول لتحجب بها حركة الحياة، بل هي مسارات مرنة تمشي فيها المجتمعات نحو توازنها. وفي لحظات التاريخ الحرجة، حيث تتشابك الأزمات الاقتصادية الخانقة مع التحولات الجيوسياسية المعقدة، تضيق الأنفاس وتكثر العثرات الإنسانية. هنا، لا تعود العدالة مجرد سيف مسلط يُبتر به الخطأ، بل تتحول إلى "ميزان ذكي" يبحث عن الاستقرار.
​من رحم هذا المخاض، يبرز " *العفو العام المنتظر"* في الفضاء العام، لا كمنحة سياسية عابرة أو تدبير بيروقراطي مؤقت، بل كضرورة استراتيجية، وترياق اجتماعي يُضخ في جسد الوطن لإعادة ترميم التصدعات وتجديد العقد الاجتماعي.
​1. *فلسفة العفو: من سيكولوجية العقاب إلى سيميائية الغفران* 
​في العمق الفلسفي، يمثل العفو العام أعلى درجات سيادة الدولة؛ إنه التجلي الأسمى للقوة حين تختار "الرحمة" بملء إرادتها، في ظل الأوضاع الراهنة، تحولت البيوت المثقلة بالديون، والشباب الذين تعثرت خطاهم في دروب الحياة المعقدة، إلى طاقات معطلة خلف الجدران، أو أرواح يطاردها القلق.
​إن العفو المنتظر ليس قفزاً فوق الجريمة، بل هو اعتراف شجاع من المشرّع بأن الظروف الاستثنائية تصنع سلوكيات استثنائية. حين تعفو الدولة، فإنها لا تمحو العقوبة، بل تعيد صياغة المستقبل؛ تمنح المخطئ فرصة لينظر في مرآة نفسه دون غبار الجرم، وتنزع من صدره وصمة العار لتعيد غرس بذرة الولاء والانتماء.
​2. *الهندسة النخبوية للعفو: معادلة الصفر الجرمي والعدالة المطلقة* 
​التميز الخارق في صياغة أي عفو عام يكمن في براعة التوازن؛ فالتحدي الأكبر ليس في فتح أبواب السجون، بل في إبقاء أبواب الطمأنينة مشرعة في المجتمع، يتطلب المشهد الراهن " *هندسة تشريعية مقدسة"* تقوم على ركيزتين:
​التسامي في الحق العام: حيث تتنازل الدولة — بأبوتها الحانية — عن حقها في العقاب المالي والجرائم البسيطة والجنح، تخفيفاً عن كاهل الخزينة والمواطن على حد سواء.
​المقدس في الحق الخاص: لا يمكن لعفو أن ينجح إذا بُني على دموع الضحايا. لذلك، فإن شرط " *إسقاط الحق الشخصي"* في القضايا المالية والمدنية يعيد الاعتبار لسيادة القانون، ويحول العفو إلى رافعة حقيقية للمصالحات العائلية والعشائرية والمجتمعية.
​ومن هنا، يُستثنى من هذه المظلة كل من تلطخت يداه بدم بريء، أو تجرأ على أمن الوطن، أو استباح مقدرات الشعب؛ ليبقى العفو نقياً، نخبوياً، وموجهاً لمن يستحق الاستدراك.
​3. *الأثر الارتدادي: نبض الشارع وجدوى الاقتصاد* 
​خلف الأرقام الجافة والصياغات القانونية الصارمة، ينبض قلب المجتمع، العفو المنتظر هو أمل يترقبه الآلاف؛ هو دمعة أم جفّت في انتظار خطوة على عتبة الدار، وهو ضحكة طفل أضناه الغياب، من المنظور الإنساني، يمثل هذا القرار " *ممحاة قومية* " تزيل التوتر والاحتقان من الشارع.
​أما على الصعيد الاقتصادي والعملي، فإن إطلاق سراح الفئات غير الخطرة (كالغارمين، والمتعثرين مالياً، وأصحاب الجنح البسيطة) يحقق جملة من القفزات:
​ *تسييل الطاقات الحية* : تحويل المستهلكين لخدمات السجون إلى منتجين في سوق العمل.
​ *عصرنة النفقات* : توجيه ميزانيات الرعاية والاحتجاز الضخمة نحو قطاعات التنمية والتعليم والصحة.
​ *تنشيط الدورة المالية* : تحفيز التسويات المالية السريعة بين الأفراد لإدراك قطار العفو قبل فوات الأوان.
​"إن القانون الأسمى هو سلامة الشعب ورفاهيته." — سيشيرون
​بناءً على هذه الحكمة الخالدة، يصبح العفو العام في أوقات الأزمات خطوة استباقية ذكية، تنقل المجتمع من مربع الترقب والقلق إلى مربع الاستقرار والإنتاج.
​4. *ما بعد العبور: الاستدامة لا لحظة الانتشاء* 
​إن الطرح الأكثر ابتكاراً وإبداعاً للعفو العام يرفض أن تنتهي المفاعيل بمجرد خروج المحكوم من بوابة السجن. القيمة الحقيقية تبدأ في "اليوم التالي".
​الخطوة الخارقة المرجوة تتطلب مأسسة "مرحلة العبور"؛ عبر إطلاق منصات تأهيل وطنية سريعة، وبرامج احتضان نفسي واقتصادي، تضمن عدم ارتداد المفرج عنهم إلى مربع الجريمة تحت وطأة الحاجة. العفو يد تمدها الدولة، والاستدامة هي الجسر الذي يعبر عليه المواطن نحو المواطنة الصالحة.
​ *خاتمة: كتابة سطر جديد في دفتر الوطن* 
​في المحصلة، إن العفو العام المنتظر في ظل الأوضاع الراهنة ليس ضعفاً، بل هو ذروة البلاغة السياسية والاجتماعية، إنه قرار يعلن بوضوح أن الوطن أكبر من أخطاء أبنائه، وأن التسامح حين يُسجّل في صفحات التشريع، يصبح حصناً منيعاً تتكسر عليه كل أمواج الأزمات، إنها دعوة لفتح صفحة بيضاء، بمداد من الأمل، وبروح تتسع للجميع، من أجل غدٍ تشرق شمسه بروح العدالة والرحمة معاً.
تابعوا نبأ الأردن على Google News
تصميم و تطوير Vertex Web Solutions