زياد العليمي يكتب : صراخ صامت تحت التراب.. عندما تخلع الأمومة رداءها وتنهش الكلاب الضالة ما تبقى من ضمير الإنسانية
نبأ الأردن -
في غفلة من الزمن وفي زاوية مظلمة من زوايا هذا العالم الذي بات يموج بالمتناقضات الصادمة تفجرت فاجعة تهز أركان النفس البشرية وتضع الضمير الإنساني في قفص الاتهام وتطرح التساؤل الأزلي والأكثر مرارة حول ما إذا كانت الإنسانية قد لفظت أنفاسها الأخيرة أم أننا نعيش في زمن تآكلت فيه الفطرة حتى بلغت حضيض الغرابة والوحشية عندما تقرر أم بملء إرادتها أن تتخلى عن أقدس ما تحمله المرأة من مشاعر لتسير في طريق الخطيئة وترتكب الفاحشة ثم تتوج جرمها بما لا يمكن لعقل واعٍ أن يستوعبه أو يقبله حيث حملت قطعة من جسدها وثمرة أحشائها ذلك الطفل البريء الذي لا ذنب له في كل هذا الوجود لتدفنه حياً أو ميتاً في منطقة خالية قاحلة وتتركه وحيداً تحت ركام التراب كأنه نفاية عابرة وليست روحاً نابضة بالحياة تطلب الأمان والسكينة في حضن من ولدته لكن الأقدار أبت إلا أن تكشف الستار عن هذه المأساة السوداء وبطريقة تصفع الوجدان البشري صفعة مدوية حيث كانت الكلاب الضالة هي التي تمتلك من الحس ما افتقدته تلك الأم فبحثت ونبشت لتكشف للعالم تفاصيل الجريمة النكراء وتعلن للجميع أن الحيوان الأعجم قد يتحرك بدافع غريزي يكشف المستور بينما ماتت في قلب الإنسان أسمى معاني الرحمة والشفقة والإنسانية المفارقة الصارخة هنا تتجاوز حدود الجريمة الجنائية العادية لتصل إلى عمق الفلسفة الأخلاقية والجدل المجتمعي القائم حول مآل العاطفة البشرية فكيف لقلب أم أن يتحول إلى صخرة صماء لا تسمع أنين وليدها وكيف لعينين أن تنظرا إلى طفل مستسلم للقدر دون أن تذرفا دمعة ندم واحدة إن هذا المشهد الجنائزي الغريب يضعنا أمام مرآة الحقيقة المرة فبينما كان الطفل بحاجة إلى لمسة حنان تقيه برد الخوف وجد نفسه ضحية لعقلية تخلت عن كل القيم الدينية والاجتماعية والإنسانية من أجل مواراة سوأة الفاحشة والهروب من نظرات المجتمع الظالمة أو الخوف من الفضيحة وكأن دفن الطفل س يدفن معه الإثم والوزر بل إن ما حدث يثبت أن الجريمة لا تختبئ خلف التراب وأن العدالة الإلهية تسخر أضعف الكائنات لتظهر الحق وتفضح الباطل ومن هنا يثور تساؤل حاد وجدلي يفرض نفسه بقوة على طاولة النقاش هل مات الضمير الإنساني تماماً أم أنه في حالة غيبوبة مؤقتة فرضتها قسوة الظروف وتحلل المنظومة الأخلاقية لبعض الأفراد إن الإجابة عن هذا السؤال لا تكمن في إدانة تلك الأم وحدها بل في تشريح مجتمع بأكمله قد يكون شريكاً بالصمت أو بفرض معايير قاسية تدفع بالضعفاء إلى ارتكاب مثل هذه الفظائع ورغم ذلك لا يمكن لأي مبرر على وجه الأرض أن يغفر انتزاع الرحمة من قلب الأم فالطفولة تظل مقدسة والروح تظل خطاً أحمر لا يمكن تجاوزه وتحت هذا المنظور الإعلامي والصحفي الدقيق يتبين لنا أن الحادثة ليست مجرد خبر عابر في صفحات الحوادث اليومية بل هي ناقوس خطر يدق في وجدان البشرية جمعاء يعلن بكثير من الأسى والحزن أن هناك شروخاً عميقة أصابت جدار الإنسانية وتحتاج إلى وقفة صدق مع النفس لإعادة بناء ما تهدم من قيم الشفقة والرحمة التي يبدو أنها تائهة في دروب الحياة المعاصرة المعقدة.


























