عمر الدريني يكتب : صلة الرحم في عيد الأضحى: حين يعود الناس إلى بعضهم
نبأ الأردن -
في عيد الأضحى المبارك، لا تقتصر مظاهر الفرح على الشعائر الظاهرة أو الطقوس الاجتماعية المعتادة، بل تمتد إلى واحدة من أعمق القيم الإنسانية التي تشكل نسيج المجتمع، وهي صلة الرحم، ففي هذا الوقت تحديدًا، يبدو وكأن الزمن يمنح الناس فرصة جديدة لإعادة ترتيب علاقاتهم، وفتح صفحات ظنوا أنها طُويت.
تتحول أيام العيد إلى مساحة استثنائية تعود فيها الزيارات العائلية إلى الواجهة بعد طول انقطاع فرضته مشاغل الحياة وتسارعها. وفي كل زيارة، لا يُستعاد المكان فقط، بل يُستعاد معه جزء من الذاكرة المشتركة، وكأن العائلة تعيد تعريف نفسها من جديد عبر اللقاء.
وفي عمق هذه اللقاءات، لا تكون الكلمات وحدها هي الحاضرة، بل التفاصيل الصغيرة: طريقة استقبال كبار السن، نظرات الاطمئنان، والابتسامات التي تختصر سنوات من الغياب، هذه التفاصيل هي التي تمنح صلة الرحم معناها الحقيقي، بعيدًا عن الشكل الاجتماعي البحت.
ومن الملاحظ أن عيد الأضحى يحمل طابعًا خاصًا لصلة الرحم، لأنه يأتي مقرونًا بروح عبادة عظيمة، مما يجعل التواصل بين الناس مشبعًا بشعور داخلي بالصفاء، وكأن العلاقات الإنسانية تُعاد صياغتها في ضوء أعمق من المعتاد.
كما أن صلة الرحم في هذا السياق لا تقتصر على الزيارات المباشرة، بل تمتد إلى رسائل الاطمئنان، والمكالمات، وحتى المبادرات البسيطة التي تعيد فتح أبواب كانت مغلقة، وهذا الاتساع في أشكال التواصل يعكس تطور المجتمع مع الحفاظ على جوهره.
وتكشف هذه المناسبة عن طبيعة الإنسان نفسه، فهو رغم انشغالاته وتباعده، يبقى محتاجًا إلى جذوره الأولى، وإلى تلك الروابط التي تمنحه شعورًا بالانتماء والاستقرار النفسي، وهو ما لا تعوضه الحياة الحديثة مهما تقدمت.
كما أن الأطفال في هذه الزيارات يعيشون تجربة تأسيس اجتماعي مهم، إذ يتعرفون على العائلة الممتدة، ويتعلمون معنى القرابة، ويتشكل لديهم وعي مبكر بأن العائلة ليست فقط من يعيشون معهم يوميًا، بل شبكة أوسع من العلاقات والذكريات.
وفي بعض الحالات، يتحول العيد إلى فرصة لإصلاح خلافات قديمة، حيث تتراجع أسباب القطيعة أمام روح مناسبة تحمل في جوهرها معنى الصفح والتجاوز، فيعود التواصل بعد انقطاع طويل وكأنه يُولد من جديد.
ومن زاوية أعمق، يمكن النظر إلى صلة الرحم في العيد باعتبارها "إعادة توازن اجتماعي"، حيث تعيد ترتيب العلاقات الإنسانية وفق منطق الرحمة بدلًا من منطق الانشغال والجفاء، ولو بشكل مؤقت لكنه مؤثر.
كما أن اللقاءات العائلية في هذا الوقت تمنح الإنسان مساحة نفسية من الراحة، لأنها تعيد ربطه بنقطة ثابتة في حياته وسط تغيرات سريعة ومستمرة.
وفي النهاية، تبقى صلة الرحم في عيد الأضحى أكثر من عادة اجتماعية؛ إنها استعادة للإنسان في صورته الأكثر صفاءً، حيث يعود الناس إلى بعضهم لا كواجب، بل كحاجة إنسانية عميقة.


























