م. أحمد نضال عواد يكتب : القمامة لا تكذب … والوطن يستحق أكثر من موسم
نبأ الأردن -
دعني أبدأ بسؤال لن يُريح الكثير، لماذا نحتفل بثمانين عاماً من الاستقلال، ثم نتشاجر على فيسبوك حول من يتحمل مسؤولية نفايات الاحتفال؟! هذا ليس سؤالاً فلسفياً، بل هو مرآة دقيقة تكشف كيف نفكر في العلاقة بين الدولة والمواطن، وبين الاحتفاء بالوطن والحفاظ عليه طوال العام لا في يوم واحد.
قبل أيام، وبعد احتفالات عيد الاستقلال الثمانين، أثار منشور على صفحة وزارة البيئة جدلاً واسعاً بسبب لهجته التي وصفها كثيرون بالمسيئة في مخاطبة المواطنين حول مخلفات الاحتفالات. وحين تصاعد النقد، لم تتراجع الوزارة أو تُعيد صياغة الخطاب كما فعلت وزارة الإدارة المحلية في خطابها بعد ذلك، بل حوّلت صفحتها الرسمية إلى ساحة ردٍّ وسجال مع كل من انتقد أو اعترض. هذا المشهد، بكل تفاصيله، يخبرنا بشيء أعمق من مجرد منشور سيء الصياغة: يخبرنا أن ثمة خللاً في المنطق الذي يحكم علاقتنا ببيئتنا، خللاً يجعلنا نتعامل مع القمامة كمشكلة سلوكية يجب توبيخ المواطن عليها، لا كملف وطني يحتاج رؤية وتخطيطاً وتنفيذاً وموارد حقيقية.
المشكلة ليست في أن الناس يرمون القمامة. المشكلة في أن المنظومة لا تُيسّر لهم ألا يفعلوا
حين تتحول النفايات إلى اقتصاد… ونحن ننتظر، مثلاً في ألمانيا، تُعيد الدولة تدوير أكثر من 65% من نفاياتها وتوفّر بذلك آلاف الوظائف وتوفيراً بالمليارات في تكاليف المواد الخام. وفي كوريا الجنوبية، فُرضت رسوم بسيطة على كيس القمامة غير المفروزة فانخفضت كمية النفايات بنسبة تتجاوز 30% خلال سنوات قليلة، لأن الناس حين يرون أن الفرز يوفّر عليهم المال يُقبلون عليه طوعاً. وفي هولندا، تُحوَّل النفايات العضوية إلى سماد يُباع للمزارعين. وفي الأردن؟ ما زلنا ندفن الفرص في المكبّات مع بقية النفايات.
الحقيقة التي نتجنّب قولها هي أن النفايات في دول العالم المتقدم ليست عبئاً على الخزينة، بل صناعة بمليارات الدولارات. البلاستيك والورق والمعادن والزجاج والنفايات العضوية كلها مواد خام بانتظار من يُحوّلها إلى قيمة. وما يعيق ذلك ليس غياب الإرادة الشعبية، بل غياب المنظومة التي تساهم في إدارة النفايات وتحويلها لفرصة استثمارية وتنموية بدلاً من كونها تحدي ... غياب الحاوية المقسّمة في الشارع، وغياب المصنع الصغير الذي يستقبل ما يُفرز، وغياب الحافز الذي يجعل الفرز سلوكاً طبيعياً لا استثنائياً.
سمو ولي العهد قال… فأين التنفيذ؟
سمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني ولي العهد يحفظه اللّه لم يتحدث عن البيئة كشعار موسمي، بل أطلق توجيهات حقيقية ينبغي أن تتحول من كل المعنيين لبرامج تنفيذية وخطط واقعية.
البرنامج التنفيذي لاستراتيجية النظافة والحد من الإلقاء العشوائي للنفايات جاء انسجاماً مع رؤية سموه لتعزيز ثقافة النظافة وربطها بمشاركة الشباب والعمل المجتمعي الفعلي. مؤسسة ولي العهد تنفّذ ورش عمل في محافظات كمعان ومادبا حول صناعة المبادرات البيئية وترسيخ ثقافة الاستدامة في المجتمعات المحلية. الرؤية موجودة، والإرادة السياسية العليا موجودة، والتوجيه واضح.
إذن أين الخلل؟ الخلل في تلك المسافة الشاسعة بين بعض القرارات والشارع، بين الاستراتيجية وحاوية النفايات في حي من أحياء الزرقاء أو الرصيفة أو إربد أو معان.
الخلل في أن عام 2026 يجب ألا يكون عام خطط إضافية فوق خطط لم تُنفَّذ، بل يجب أن يكون العام الذي يشعر فيه المواطن بفارق حقيقي في شارعه، في حيّه، في مدينته وبالطبع بمشاركة منه أيضا وأن يكون هو والبلدية والوزارة معاً في خندق واحد ، والكل فائز ويشعر أن ذلك مسؤوليته وأنه مستفيد بشكل وآخر
الكلام الجميل في المؤتمرات لا يُنظّف شارعاً واحداً في الرصيفة أو غيرها، والخطط التي تنام في أدراج الوزارات لا تُوفّر وظيفة واحدة لشاب في أي محافظة أو قرية أردنية.
مشروع وطني… لا موسم سنوي
فما نحتاجه ليس حملة نظافة أخرى تنطلق بيافطات وتنتهي بصور على وسائل التواصل. ما نحتاجه هو مشروع وطني شامل لإدارة النفايات وإعادة التدوير يُعيد تعريف العلاقة بين المواطن والمدينة والبيئة، مشروع يبدأ من الشارع وينتهي باقتصاد حقيقي يُشغّل الشباب ويدعم البلديات ويُطوّر الصناعة المحلية.
التصوّر العملي لهذا المشروع يبدأ بشيء بسيط جداً: سلة نفايات مقسّمة في كل شارع ومصنوعة محلياً بأيدي مهنية أردنية، وموجودة في كل شارع لا في المراكز التجارية وواجهات المباني الرسمية فقط. لأنك لا تستطيع أن تطالب الناس بفرز النفايات حين لا توفّر لهم السلة التي يفرزون فيها. هذه ليست ملاحظة ترفية، بل شرط منطقي أوّلي قبل أي حديث عن ثقافة بيئية.
ومن الشارع ننتقل إلى قلب المنظومة: مصانع تدوير صغيرة ومتوسطة في كل محافظة تستقبل ما تجمعه السلات المفرزة وتُحوّله إلى مواد خام للصناعة المحلية وتُشغّل الشباب المحلي مباشرة. هذا النموذج أثبت نجاحه في دول عديدة، والأردن يملك الكوادر المدرّبة، ويملك قطاعاً صناعياً راسخاً ومؤسسات التدريب المهني المتميزة، وهو اليوم يملك إطاراً سياسياً داعماً. وما نحتاجه هو القرار التنفيذي الجريء على مستوى البلديات والذي يدفع إلى العلاقة التكاملية والتشاركية مع جميع المؤسسات المعنية.
ولكي تكتمل الحلقة، نحتاج إلى منصة رقمية مجتمعية تتيح للمواطن الإبلاغ عن تجمّعات النفايات وطلب رفع خاص وتتبّع شكواه ومعرفة موعد المرور، لا لأن التكنولوجيا غاية في حد ذاتها، بل لأن الشفافية البسيطة تبني الثقة بين المواطن والبلدية مع أهمية دور وسائل الاعلام في التوعية والرقابة والمتابعة، وهي الثقة التي تتآكل حين يُبلّغ المواطن ولا يحدث شيء.
عامل الوطن… كرامة قبل أن تكون وظيفة، في قلب أي مشروع وطني ناجح للنظافة يقف إنسان: عامل الوطن. وهذا المسمى الذي يحمله هؤلاء يستحق أن يتحوّل من تسمية إلى ثقافة مجتمعية راسخة. لأن هؤلاء ليسوا عمال نظافة بالمعنى الوظيفي الجاف، بل هم خط الدفاع الأوّل عن صحة المجتمع وصورة الوطن، وهم الذين يرث الحيّ النظيف أو الموحل من جهدهم أو إرهاقهم.
اليوم، بعض بلدياتنا تُرهق هؤلاء العمال بعربات يدوية متهالكة تحت الشمس والمطر، دون حوافز حقيقية ودون بيئة عمل تحفظ الكرامة الإنسانية قبل الصحة الجسدية. الحل الذي نطرحه عبر هذا المقال هو عربات كهربائية ذكية وحديثة لفِرَق عمال الوطن، تخفّف الجهد الجسدي، وتُوسّع نطاق التغطية، وتُرسل رسالة واضحة بأن هذا الوطن يحترم من يخدمه. العربة الكهربائية ليست كمالية، بل استثمار في الكفاءة والكرامة معاً.
ويرتبط بهذا ضرورة تحفيز كوادر البلديات بشكل منهجي لا موسمي: نظام مكافآت مرتبط بمؤشرات النظافة الفعلية القابلة للقياس وحسب نظام رقمي يجعل كل ساكني الأحياء يقيمون نظافة حيهم بشكل يومي أو أسبوعي، وكذلك دور كبير للتدريب المهني المتخصص في إدارة النفايات واقتصاد التدوير، وإدخال الرقمنة في مراقبة الأداء وقياس النتائج. البلدية التي تمتلك موظفين محفزين ومدرّبين ومجهّزين ستنجز في شهر ما لا تُنجزه بلدية مُنهكة في سنة.
المبادرات المجتمعية هي شريك لا بديل ولن تستطيع الدولة وحدها تحمّل هذا المشروع، ولا يجب أن تفعل ذلك لوحدها. فالمبادرات المجتمعية هي رأس مال اجتماعي حقيقي يجب أن يُكمل العمل الرسمي، لا أن يُنافسه أو يُعوّض غيابه.
وهنا يأتي أيضا دور المدارس والمعاهد والجامعات كركيزة أساسية، لأن الطفل والشاب الذي يتعلم الفرز في الصف الثالث الابتدائي يصبح مواطناً لا يحتاج لمنشورات التوبيخ بعد عشرين سنة. البيئة مادة يجب أن تُدرَّس وتُمارَس في الفناء المدرسي والحي السكني والنشاط الجامعي، لا أن تُختزل في لافتة يوم البيئة العالمي.
كيف تبدو المدينة البلدية الناجحة العام 2026 وما بعده؟
البلدية الناجحة في عام 2026 ليست التي تضع أكبر لافتة في الميدان الرئيسي. البلدية الناجحة هي التي تجعل الطفل يعود من المدرسة في شارع لا تُعكّر رائحته مزاجه، والتي يشعر فيها المواطن أن شكواه تُسمع وتُحلّ لا تُحفظ في ملف بالأدراج.
البلدية الناجحة تُحوّل كل طن من البلاستيك إلى فرصة عمل لشاب أردني بدلاً من أن تدفنه في مكبٍّ يُكلّف الميزانية ويُدمّر التربة.
وما يُفرّق بين البلدية الناجحة والأخرى ليس فقط الميزانية، بل الرؤية والإرادة والقدرة على تحويل الموارد المتاحة إلى أثر حقيقي ملموس. الاقتصاد الأخضر ليس رفاهية الدول الغنية، بل هو بالتحديد ما تحتاجه الدول التي تبحث عن فرص نمو حقيقية في مواردها المهدرة.
المدينة التي لا تحترم من يُنظّفها لا تستحق أن تُسمّى حضارية. والوزارة التي تُوبّخ مواطنيها دون أن توفّر لهم المنظومة لا تستحق أن تشكو من سلوكهم.
الأردني يحب وطنه، ويُثبت ذلك في كل مناسبة وطنية وفي كل أزمة تمر على البلاد. لكن حب الوطن لا يكفي وحده لتنظيف الشوارع، تماماً كما لا يكفي وحده لبناء اقتصاد أو توفير الوظائف الجديدة المستدامة الشباب والشابات. ما يُكمل الحب هو المنظومة: السلة في الشارع، والعربة الكهربائية التي تُكرم عامل الوطن، والحافز الذي يجعل الفرز سلوكاً طبيعياً، والبلدية التي تتحدث مع ناسها باحترام لا بتوبيخ، فالعمل التكاملي هو لاساس النجاح.
عام 2026 أمامنا فرصة حقيقية لأن ننتقل من ردود الأفعال إلى المبادرة، ومن المنشورات إلى المشاريع، ومن الحملات الموسمية إلى المنظومة الدائمة. ملف البيئة والنفايات يجب أن ينتقل من هامش العمل البلدي إلى مركز القرار التنموي، لأن مستقبل المدن لن يُقاس فقط بعدد المشاريع والأبراج، بل بقدرتها على احترام إنسانها وحماية بيئتها وتحويل تحدياتها إلى فرص.
الأردن يستحق مشروعاً وطنياً أخضراً حقيقياً يُشغّل الشباب، ويُكرم عامل الوطن، ويُنظّف المدن طوال العام، ويحوّل النفايات من عبء إلى اقتصاد. لا موسماً عابراً للنظافة يأتي مع كل عيد ويرحل مع صور السوشيال ميديا، وكل عام وأنتم جميعاً بألف خير .


























