حسن علي الزوايده يكتب: الشرق الأوسط بين الحروب ومشروع الحضارة
نبأ الأردن -
لم يعد الشرق الأوسط يحتمل المزيد من الحروب والصراعات التي استنزفت الإنسان وأضعفت الدولة وأعاقت مسيرة التنمية لعقود طويلة. فهذه المنطقة التي تمتلك أعظم موقع جغرافي في العالم، وثروات هائلة، وإرثًا حضاريًا وإنسانيًا عريقًا، كان من المفترض أن تكون مركزًا عالميًا للتقدم الاقتصادي والتنوع الثقافي والتكامل الحضاري، لكنها تحولت بفعل النزاعات المستمرة إلى ساحة توتر دائم عطلت طاقات شعوبها وأهدرت فرص نهضتها.
إن الشعوب التي أنهكتها الحروب لم تعد تبحث عن شعارات الصدام بقدر ما تبحث عن الأمن والاستقرار وفرص العمل والتعليم والحياة الكريمة. فالحضارة لا تُبنى فوق أنقاض المدن، ولا يولد التقدم من رحم الكراهية، بل تصنعه بيئة يسودها السلام والعدالة والتعاون واحترام الإنسان.
لقد أثبتت تجارب الأمم أن التنمية الحقيقية تبدأ عندما تتوقف الحروب، وتتحول موارد الدولة من أدوات الصراع إلى أدوات البناء والإنتاج. فالدول التي نجحت اقتصاديًا لم تعتمد على القوة العسكرية وحدها، بل على الاستثمار في الإنسان والعلم والتكنولوجيا والاقتصاد المنتج. بينما بقيت منطقتنا تدفع أثمان الانقسامات والتطرف وغياب الرؤية التنموية المشتركة.
إن الحاجة اليوم أصبحت ملحّة لإطلاق مشروع حضاري جديد في الشرق الأوسط يقوم على السلام العادل والتنمية والتكامل الاقتصادي، بحيث تتحول المنطقة من بؤرة أزمات إلى مركز عالمي للطاقة والتجارة والسياحة والثقافة. فالعالم بأسره يدرك أهمية الشرق الأوسط الاستراتيجية، لكن الأهم أن تدرك شعوب المنطقة أن مستقبلها لن يُصنع إلا بالتعاون والاستقرار واحترام حقوق الشعوب.
فالسلام ليس ضعفًا كما يعتقد البعض، بل هو أعلى درجات الحكمة السياسية، لأنه يفتح أبواب التنمية ويمنح الأجيال القادمة فرصة للحياة والإبداع. أما استمرار الحروب فلن ينتج إلا المزيد من الدمار والانهيار والتراجع الحضاري.
إن بناء واقع حضاري جديد في الشرق الأوسط يتطلب شجاعة سياسية وفكرًا تنمويًا يؤمن بأن الإنسان هو أساس النهضة، وأن مستقبل الشعوب لا يُقاس بحجم الصراعات التي تخوضها، بل بحجم الإنجازات التي تحققها في التعليم والاقتصاد والعدالة والتقدم العلمي.
ويبقى الأمل قائمًا بأن تدرك دول المنطقة أن التاريخ لا يخلّد الحروب بقدر ما يخلّد الأمم التي صنعت السلام وبنت الحضارة وفتحت لشعوبها أبواب المستقبل
























