فيصل النجداوي يكتب: عقيدة المنعة في المضامين السياسية لخطاب الاستقلال
نبأ الأردن -
تكتسب الخطابات الملكية الهاشمية في المنعطفات التاريخية الكبرى قيمة استراتيجية وفلسفية تتجاوز البعد الاحتفالي للمناسبات الوطنية، لتتحول إلى وثائق مرجعية تفكك محددات الواقع الإقليمي المعقد وتصيغ ملامح المرحلة المقبلة. والدولة الأردنية، وهي تمضي بثقة وثبات نحو عقدها التاسع من الاستقلال، تواجه اختبارات جغرافية وسياسية واقتصادية غير مسبوقة في إقليم مضطرب لم يهدأ منذ قرن من الزمان؛ حيث يبرز خطاب جلالة الملك عبدالله الثاني بمناسبة عيد الاستقلال الثمانين كقراءة معمقة لمعادلة المنعة الوطنية التي لا ترتهن للموارد المادية المحدودة أو الحتميات الرقمية المجردة، بل تترسخ في عقيدة سياسية قوامها الاستثمار المطلق في الإنسان الأردني، والرهان على وعيه وإدراكه وأحلامه كأصل استراتيجي ثابت غير قابل للمساومة أو التعثر.
إن التدقيق في فلسفة الحكم الرشيد لجلالة الملك على مدار ربع قرن من المراجعات والمبادرات واللقاءات الميدانية، يكشف عن نهج قائم على الواقعية الشجاعة التي تؤكد أن الثقة لا تعني إنكار الصعاب أو تجاهل الضغوط، بل تعني مواجهتها بوعي ومسؤولية؛ لتحويل التحديات إلى فرص، وبناء اقتصاد صامد ودولة قادرة على حماية حدودها وأمنها وسط أمواج الأزمات والصراعات، بالتوازي مع استمرار مسيرتها الديمقراطية والتحديثية الشاملة، ليثبت الأردن للعالم أجمع أنه وطن وُلد من رحم بلاد أصيلة لا يُهزم ولا يُكسر.
ويتجلى في هذا السياق، المتصل بالعمق الاستراتيجي للدولة، الدور المحوري لسمو ولي العهد الأمير الحسين بن عبدالله الثاني كعضد للملك وقائد جيل يترجم الرؤية الملكية السامية إلى برامج عمل مؤسسية تحاكي متطلبات العصر وأدوات الحداثة؛ ليمثل هذا التناغم الحيوي والانسجام البنيوي بين حكمة القيادة ورؤيتها الشمولية، وطموح الشباب ومأسسته للمشاريع، الضمانة الدستورية والسياسية لاستمرارية البناء ومواجهة عثرات التجربة بفوائد ومكاسب تؤسس لمئوية الدولة الثانية، حيث يتقدم سمو ولي العهد واجهة المتابعة لمشاريع التمكين والتطوير الإداري والريادة، ليكون حلقة الوصل الحية التي تصون إرث التأسيس وتقود التحول نحو دولة الإنتاج والابتكار.
إن القيمة الوجدانية والسياسية الكبرى التي حملها الخطاب الملكي، ومثلتها كلمة أبشر، تعكس في جوهرها نمط حياة وثقافة سياسية أردنية أصيلة قائمة على الشهامة والوفاء والعطاء، تجعل من الاستجابة جواباً سابقاً لكل نداء وطني، وقاعدة صلبة لتلاحم الجبهة الداخلية والالتفاف الشعبي غير المشروط حول الراية الهاشمية، وهي القوة الذاتية التي يرتكز عليها القرار السياسي المستقل للمملكة في حماية استقرارها. وفي بعد تاريخي وحضاري راسخ، باعتبار الأردن موطناً للأمم وأرضاً للوئام، تتجذر مكانته الدينية من معمودية السيد المسيح على ضفاف نهره الخالد، ومقامات الصحابة والتابعين في ربوعه، ليكون هذا الإرث الحضاري دافعاً للدفاع المستميت عن قضايا الأمة، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية وشلال الدم الذي لا يتوقف في فلسطين وفي القدس المحتلة، بموجب الوصاية الهاشمية التاريخية على المقدسات الإسلامية والمسيحية، وهي ثوابت في مفكرة الملك لا تخضع لمساومة وليس لها ثمن.
ومن هنا، يثبت الأردن أنه دولة تعرف نفسها وتعرف وجهتها وخياراتها جيداً، صقلتها التحديات فزادتها بأساً وثباتاً، ليبقى العهد الذي يُحفظ في الصدور بين القيادة والشعب هو الميثاق المقدس والمحرك الأساسي لصون المنجزات، والانتقال بالوطن إلى آفاق الرفاه والحداثة، برؤية هاشمية حكيمة وعزيمة أردنية صلبة، نابعة من أرض لم تخذل أهلها يوماً، وصانت استقلالها أمانة وعهداً وميثاقاً.


























