د. عمر الرزاز ود. حازم رحاحلة يكتبان : الصدمات بوصفها سمة للنظام العالمي الجديد: الحاجة إلى جاهزية مؤسسية متعددة المستويات
نبأ الأردن -
مقدمة: عالم يتغير بسرعة تفوق القدرة على التكيّف
شهد العالم خلال العقدين الماضيين، وعلى نحو أكثر حدّة ووضوحًا منذ عام 2020، أوبئة صحية، وتغيرات مناخية متسارعة ومقلقة، وصراعات عسكرية واضطرابات جيوسياسية معقّدة، إلى جانب تحولات أيديولوجية تعكسها صناديق الاقتراع. ونجم عن ذلك تداعيات اقتصادية وسياسية واجتماعية متشابكة، تستدعي قراءة متأنية وحذرة. وتمثّل هذه الورقة محاولةً لتقييم هذه الصدمات، وطرح بعض البدائل لاستيعابها من خلال التحوّط المسبق، والتكيّف معها، والتعافي من آثارها.
مرّ العالم، خلال فترات متباينة من القرن العشرين، ولا سيما في نصفه الأول، بصراعات عسكرية كبرى، وفي مقدمتها الحربان العالميتان الأولى والثانية، وتبلور منظومة عالمية ثنائية القطبية (الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد السوفياتي)، ثم انهيار الأخير ليتجه العالم نحو منظومة أحادية القطبية متمثلة في الهيمنة الأميركية. وقد تمثّل ذلك في رؤية متفائلة لدى بعض المحللين، تجسّدت في مقولة "نهاية التاريخ"؛ أي نهاية الأيديولوجيات المتصارعة لصالح اقتصاد السوق الحر والتحول الليبرالي الديمقراطي على مستوى العالم. وعلى مدى عقد من الزمن، تحقق قدر من الاستقرار النسبي عالميًا، تمثّل في تراجع الحروب وتسارع النمو الاقتصادي، وإن كان على نحو متفاوت. كما أسهم ذلك في إعادة تشكيل النظام الاقتصادي العالمي، وتعزيز المؤسسات الدولية، وترسيخ عدد من الأطر التي دعمت الاستقرار.
وفي الوقت الذي شهد فيه القرن العشرون فترات من عدم اليقين المفرط، ولا سيما خلال الصراعات الواسعة النطاق، جاء القرن الحادي والعشرون بنمط مختلف من عدم اليقين، يتسم بالاستمرارية، وتعدد الأبعاد، وترسّخه داخل منظومات عالمية شديدة الترابط. فقد تعمّق اندماج التجارة العالمية على نحو غير مسبوق، وأصبحت شبكاتها أكثر كفاءة وانسيابية، حتى بدت، في بعض الحالات، ديناميات التجارة الدولية أكثر سهولة وانسيابية من التجارة المحلية. وباتت الأنظمة المالية والمصرفية مترابطة ومتداخلة إلى درجة لم يكن من المتصور بلوغها في نهاية القرن العشرين. ولا يمكن إغفال الدور المحوري للثورة الرقمية في ترسيخ هذا الترابط؛ إذ أصبحت التكنولوجيا ركيزةً لا غنى عنها اقتصاديًا وسياسيًا، مع تنامي هيمنة الشركات التكنولوجية الكبرى The Magnificent Seven وما تمثّله من نفوذ رأسمالي وتأثير تقني واجتماعي واسع.
ولم يخلُ هذا التحول البنيوي في طبيعة النظام الاقتصادي العالمي من بعض التكاليف؛ فقد أتاح المجال لظهور أنماط جديدة من المخاطر، من بينها تسارع التدهور المناخي والبيئي ودخوله مرحلة حرجة، وتصاعد التهديدات السيبرانية بوتيرة مقلقة، وتزايد هشاشة الصحة العالمية في ظل الترابط الوثيق بين الدول والمجتمعات، وانتقال الأمراض من الحيوان إلى الإنسان، وتحوّل سلاسل الإمداد العالمية إلى شرايين اقتصادية تشكّل مصدرًا محتمَلًا لانتقال الصدمات وتعميق آثارها.
نشهد اليوم تراجع هذا النموذج لصالح نمط أقرب إلى الفوضى السياسية والاقتصادية. غير أن هذه الفوضى ليست "خلّاقة"، بل مدمّرة لكثير من القيم والأعراف والقوانين الدولية التي أسهمت، إلى حدّ ما، في إرساء نظام عالمي اتسم بقدر من الاستقرار، وإن كان في أساسه غير عادل. وتمثّل هذه المرحلة اليوم، إلى جانب القفزات التكنولوجية الرقمية المتسارعة التي ترفع الإنتاجية، لكنها تهمّش الإنسان في الوقت نفسه، قفزةً في فضاء مجهول ينطوي على مخاطر جمّة تهدد الإنسان والإنسانية، كما قد يتيح فرصًا لبناء منظومة أكثر عدالة وإنسانية، إذا ما أُدرك أن العالم قد تحوّل فعلًا إلى "قرية"، وأن أيّ فعل على المستوى المحلي ستكون له تداعياته الإيجابية والسلبية على المستوى العالمي.
أولًا: ترابط غير مسبوق ومخاطر أكثر تعقيدًا
يتناول مارك لينوارد، في كتابه عصر اللاسلم[1]، تلاشي الحدود التقليدية بين الحرب والسلام، ليحل محلها نمط مستمر ومتعدد الأبعاد من الصراع المترسخ داخل النظام العالمي. فعلى خلاف الوعود التي حملتها العولمة، لم يؤدِّ الترابط العميق بين الدول إلى إنهاء التوترات، بل أسهم في إعادة تشكيلها؛ إذ تحولت الشبكات التي تربط العالم، من تجارة ومال وتكنولوجيا وهجرة واتصالات، إلى أدوات للمنافسة والضغط. وأصبح هذا الترابط يوفّر، في الوقت نفسه، فرصًا ودوافع للصراع، ووسائل لكسبه بأدوات مثل العقوبات الاقتصادية، والهجمات السيبرانية، وتعطيل سلاسل الإمداد، والتلاعب بالمعلومات. وفي هذا السياق، لم يعد النفوذ يُقاس بالقوة العسكرية فحسب، بل بمدى القدرة على التحكم في هذه الشبكات العالمية، وهو ما أفضى إلى حالة مستمرة من التنافس الجيوسياسي والاقتصادي، باتت سمةً مميزةً للنظام العالمي المعاصر. وأصبحت القوة العسكرية ذاتها أكثر صعوبةً من حيث التقدير، في ضوء القدرة على إنتاج أسلحة أقل تكلفة وأقل قابلية للحصر والصد، وتمثّل المسيّرات مثالًا على ذلك.
لم يعد المشهد الذي يعيشه العالم اليوم محكومًا بهواجس أو مخاطر محتملة، بل بمخاطر متحققة تغذّي حالة غير مسبوقة من عدم اليقين. وإذا تجاوزنا الأزمات والصراعات التي شهدها العالم خلال العقدين الماضيين، من الحرب الأميركية على العراق في عام 2003 وما تبعها من تداعيات إقليمية، إلى الأزمة المالية العالمية في عام 2008 التي انتشرت بسرعة بفعل الترابط الاقتصادي، فإن العقد الحالي يقدّم صورة أكثر وضوحًا لطبيعة هذه التحولات. فقد جاءت جائحة فيروس كورونا المستجد (كوفيد-19) بوصفها أحد أبرز تجليات هذا الواقع، وربما نتيجة مباشرة لدرجة الترابط العالية التي تميز النظام العالمي. كما جاءت الحرب الروسية - الأوكرانية لتؤكد حجم الترابط العالمي بصورته السلبية، وما رافق ذلك من تراجع في فاعلية ما يُعرف بالنظام العالمي القائم على قواعد متعارف عليها، وانعكاس ذلك على مستويات الأسعار العالمية، والمخاطر، وتراكم المديونية على الدول.
وفي حالة جائحة كورونا وتداعياتها القاسية، أعادت الأزمة التأكيد على أن السلامة الصحية ليست سلعة تُباع وتُشترى في الأسواق، بل تمثّل منفعةً عامةً عالميةً تتطلب استجابة جماعية وتعاونًا دوليًا؛ إذ لم يعد العالم قادرًا على تحمّل انقطاع هذا الترابط. ومع ذلك، فإن انعكاسات الجائحة على المستوى المحلي، من توقّف الإنتاج وتعطّل الخدمات وتهديد الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، فرضت على الدول تدخلات عاجلة واستثنائية. وقد تفاوتت هذه الاستجابات، إلا أن كثيرًا منها استلزم ضخّ موارد مالية كبيرة، حتى في الدول التي تعاني ضغوطًا مالية ومديونية مرتفعة، في ظل إدراك متزايد بأن التدخّل لم يعد يحتمل التأجيل. ووجدت المؤسسات الدولية نفسها مضطرةً إلى تجاوز بعض القيود التقليدية، وربما شكّل ذلك إقرارًا ضمنيًا بأن الأدوات والسياسات القائمة، التي كانت تتبنّاها، لم تكن كافية للتعامل مع أزمة بهذا الحجم والعمق.
لكنّ الدول وحكوماتها بدت، في كثير من الأحيان، أقل حماسةً وأضعف إرادةً وقدرةً على التعامل مع الأزمات والصدمات الجيوسياسية التي شهدتها مناطق مختلفة من العالم، على الرغم من امتداد تداعياتها إلى معظم الاقتصادات. فقد أظهرت الحرب الروسية - الأوكرانية، وما نجم عنها من أزمة غذاء وطاقة عالمية، حجم الهشاشة في منظومة الاعتماد المتبادل؛ إذ انكشفت أوروبا أمام اعتمادها المفرط على إمدادات الطاقة الروسية، في حين واجهت العديد من الدول، ولا سيما النامية، ضغوطًا حادة نتيجة اعتمادها على واردات الغذاء من أوكرانيا، وما صاحب ذلك من ارتفاعات كبيرة في الأسعار. ويمكن النظر إلى مخاطر هذه الحرب من زاويتين متكاملتين: زاوية إقليمية، تركّزت فيها تداعيات أزمة الطاقة في الدول الأوروبية، ولا سيما من حيث توافر الإمدادات واستقرارها؛ وزاوية تنموية، كانت فيها الدول النامية الأكثر تأثرًا بارتفاع أسعار الغذاء وتراجع القدرة على الوصول إليه. ويعكس ذلك تباينًا في طبيعة التأثر، لكنه يؤكد، في الوقت ذاته، وحدة مصدر الصدمة وتشابك آثارها عبر مستويات متعددة من النظام العالمي.
ينطبق الأمر ذاته على الأزمات المتتالية، والتصعيد العسكري والجيوسياسي والتجاري الذي شهدته مناطق مختلفة من العالم. ومن أبرز الأمثلة على ذلك الحرب على غزة في عام 2023، وما خلّفته من خسائر بشرية ودمار واسع في ساحة الاعتداء، بما أسهم في تعرية منظومة القوانين الدولية وكشف حدود فاعليتها، فضلًا عن إبراز المعايير المزدوجة التي تحكمها. وينسحب ذلك أيضًا على التحولات المفاجئة في التوجهات الاقتصادية للإدارة الأميركية خلال عهد الرئيس دونالد ترمب، التي اتسمت بتغليب المكاسب التجارية الآنية على حساب المصالح الاقتصادية والاستراتيجية الطويلة الأجل، وما نتج منها من اضطرابات في منظومة التجارة العالمية، ذات تأثيرات اقتصادية واجتماعية متفاوتة بين الدول.
ثانيًا: صدمة الطاقة: اختبار حقيقي لقدرة الدول على الاستجابة
تجاوزت تداعيات الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، في عام 2026، التقديرات الأولية كثيرًا؛ إذ لم تقتصر آثارها على إلحاق أضرار أمنية واقتصادية بدول المنطقة المحيطة بساحة الصراع، بل امتدت إلى الاقتصاد العالمي عبر الإضرار بقطاع الطاقة، وإرباك سلاسل الإمداد، وتراجع إمدادات الأسمدة، التي تمثّل دول المنطقة جزءًا مهمًا من صادراتها العالمية، فضلًا عن الضغوط التي أصابت منظومة التجارة الدولية.
وتباينت آثار هذا التصعيد العسكري، الذي يصعب التنبؤ بمداه الزمني. فقد تحملت دول الخليج العربية جانبًا كبيرًا من الأعباء الأمنية والاقتصادية، في حين تأثرت الدول المجاورة على نحو مباشر بانعكاساته. أما الدول الآسيوية، فعلى الرغم من بعدها الجغرافي عن نطاق الصراع، كانت من بين الأكثر تأثرًا، ليس نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة فحسب، بل أيضًا بسبب تحديات تأمين الإمدادات، في ظل اعتمادها الكبير على الواردات التي تمرّ عبر مضيق هرمز. وحتى الولايات المتحدة نفسها لم تكن بمنأى عن هذه التداعيات؛ إذ تبيّن أن هذه الحرب ليست قصيرة الأمد، فواجه المستهلكون وقطاعات واسعة فيها ارتفاعات ملحوظة في أسعار الوقود، تُعدّ الأعلى منذ جائحة كورونا.
وعلى الرغم من الامتداد الواسع لتداعيات هذه الحرب على مختلف مناطق العالم، فإن أنماط التعامل معها جاءت متفاوتة بين الدول، وبزخم وسرعة أقل مقارنةً بالإجراءات التي اتُّخذت خلال جائحة كورونا. ويمكن تفسير ذلك بطبيعة التهديد ذاته؛ إذ مثّلت الجائحة خطرًا مباشرًا ومشتركًا شمل جميع الدول بدرجات متقاربة، وهو ما حفّز استجابة جماعية وتنسيقًا دوليًا واسعًا لاحتواء آثارها والحد من انتشارها. في المقابل، اتسمت الأزمات اللاحقة بتباين واضح في آثارها الاقتصادية بين الدول، ما حدّ من فرص التكاتف الدولي لمعالجتها. ولعل أبرز ما يعكس ذلك تردد الدول الكبرى في التدخل لضمان انسيابية حركة الملاحة البحرية وإعادة فتحها، على الرغم من تأثر بعضها المباشر بإغلاقها أو تقييدها.
ثالثًا: الاضطرابات والصدمات بوصفها سمة بنيوية للاقتصاد العالمي الجديد
يتسم المناخ الجيوسياسي السائد في مختلف أنحاء العالم، في غياب مؤسسات دولية مؤثّرة، بدرجة عالية من التوتر وعدم اليقين، ربما لم يشهدها العالم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. ويُضاف إلى ذلك تصاعد مخاطر مستجدّة وبروزها، ولا سيما تلك المرتبطة بالتحديات البيئية، والتطورات التكنولوجية، وسلاسل الإنتاج العالمية.
يقف العالم اليوم أمام منعطفات خطرة بفعل تصاعد التجاذبات الجيوسياسية والاقتصادية، واحتدام صراعات النفوذ، بما يجعله أقرب من أيّ وقت مضى إلى مواجهات عسكرية واسعة يصعب احتواء تداعياتها أو التعافي منها لاحقًا. وفي هذا السياق، يمكن الاستدلال بمؤشر "ساعة القيامة" Doomsday Clock، الذي طوّرته نشرة علماء الذرة Bulletin of the Atomic Scientists في عام 1947، بقيادة ألبرت أينشتاين وروبرت أوبنهايمر، وبمشاركة علماء من جامعة شيكاغو، لقياس مدى اقتراب البشرية من كارثة عالمية ناجمة عن أفعال الإنسان.
ويتخذ هذا المؤشر، الذي يُحدَّث سنويًا في كانون الثاني/ يناير، من "منتصف الليل" رمزًا للحظة الكارثة، في حين تعكس الدقائق أو الثواني المتبقية حتى تلك اللحظة تقديرات الخبراء لمستوى المخاطر المرتبطة بالتطورات العلمية والتكنولوجية والجيوسياسية. وكلما اقتربت الساعة من منتصف الليل، دلّ ذلك على ازدياد احتمالات وقوع كارثة كونية. وتشير الاتجاهات الحديثة لهذا المؤشر إلى مسار مقلق؛ إذ يُظهر تتبّع تطوره منذ عام 2012 أن العالم يقترب تدريجيًا من "ساعة الصفر"، ليبلغ في عام 2026 مسافة 85 ثانية فقط عن منتصف الليل، وهي أقرب نقطة يصل إليها منذ إنشاء هذا المؤشر. وقد جاء هذا الاقتراب، بحسب النشرة، مدفوعًا بتصاعد النزعة العدائية والتنافسية بين روسيا والصين والولايات المتحدة، على نحو يؤدي إلى تآكل التفاهمات الدولية، وتعزيز منطق الصراع الصفري، وتقويض التعاون العالمي الضروري لمواجهة مخاطر كبرى، مثل الحروب النووية، والتغير المناخي، والتقنيات المتقدمة، وفي مقدمتها الذكاء الاصطناعي[2].
ويتعزز هذا القلق المتصاعد تجاه المستقبل من خلال نتائج "مسح تصورات المخاطر العالمية" الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي، الذي يستند إلى آراء أكثر من 1500 خبير حول العالم. وتعكس نتائجه نظرة متشائمة للمخاطر المحدقة؛ إذ يرى نحو 50 في المئة من المشاركين أن العالم مرشّح لمواجهة مخاطر كارثية وشيكة واضطرابات واسعة خلال العامين المقبلين. وتزداد حدّة هذا التقييم على المدى الطويل، لترتفع نسبة من يتبنّون هذه النظرة إلى نحو 57 في المئة خلال السنوات العشر المقبلة، وهو ما يعكس تصاعدًا مقلقًا في إدراك المخاطر وتعقّدها[3].
أما في ما يتعلق بطبيعة المخاطر المحدقة، فيُبدي الخبراء المستطلَعة آراؤهم مخاوف متعددة خلال العامين المقبلين، تتصدرها المخاطر الجيوسياسية المرتبطة باحتمالات المواجهات الجيو-اقتصادية، إلى جانب المخاطر التكنولوجية، ولا سيما دورها في انتشار المعلومات المضلّلة والتضليل، فضلًا عن المخاطر المجتمعية المرتبطة بتصاعد الاستقطاب المجتمعي. في المقابل، تتصدر المخاطر البيئية قائمة التهديدات على المدى الطويل؛ أي خلال السنوات العشر المقبلة، وفي مقدمتها مخاطر الظواهر المناخية المتطرفة، وفقدان التنوع البيولوجي، وانهيار النظم البيئية، والتغيرات الجوهرية المحتملة في أنظمة الأرض. وتليها المخاطر التكنولوجية، التي سيبقى التضليل والمعلومات المضللة في صدارة تجلياتها، إلى جانب المخاطر المتزايدة المرتبطة بتطور تقنيات الذكاء الاصطناعي.
وربما لو أُجري هذا الاستطلاع عقب اندلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، وما رافقها من تداعيات أمنية وجيوسياسية وجيو-اقتصادية، شكّل بعضها، بما فرضه من معطيات جديدة، سابقةً في التاريخ المعاصر، لبرزت المخاطر الجيوسياسية على نحو أوضح ضمن قائمة المخاطر الأكثر تأثيرًا على المديين القصير والمتوسط.
رابعًا: جاهزية عالمية متراجعة في مواجهة المخاطر
إذا ما سلّمنا بأن المخاطر وحالة عدم اليقين أصبحتا سمةً بنيويةً في النظام العالمي الجديد، وأن اتجاهات تأثيرهما تتباين بحسب نطاقها الجغرافي، بين مخاطر تشمل المنظومة الدولية بأسرها، وإن تفاوتت حدّتها بين الدول، وأخرى تنحصر في أقاليم بعينها، وثالثة تتركز في دولة واحدة أو عدد محدود من الدول، فإن الاستعداد لهذه الأنماط المختلفة واحتواء تداعياتها يقتضي تأسيس منظومات مؤسسية وسياساتية متمايزة، لكنها متكاملة في الوقت نفسه، تبدأ من المستوى المحلي، وتمتد إلى المستوى الوطني/ السيادي، ثم الإقليمي، وأخيرًا العالمي، بما يتيح استجابةً أكثر مرونةً وتكاملًا وفق طبيعة كل نمط ومستوى تأثيره.
من المفيد هنا استذكار الإرهاصات التي أحاطت بجائحة كورونا؛ فعلى الرغم من الدور المحوري الذي يُفترض أن تضطلع به المنظمات الدولية، وفي مقدمتها منظمة الصحة العالمية، في إدارة مثل هذه الأزمات، فإن الشركات العالمية المتخصصة قادت عمليًا جهود تطوير الحلول العلاجية، ولا سيما اللقاحات، مدفوعةً إلى حدّ بعيد باعتبارات تجارية واستثمارية، وبدعم مباشر من الحكومات التي تنتمي إليها. كما أسهمت الجهات التنظيمية في تسريع هذه الجهود عبر تخفيف بعض المتطلبات والإجراءات المعتادة، بما أتاح تطوير اللقاحات واعتمادها ضمن أطر زمنية غير مسبوقة. غير أن هذه الدينامية كشفت، في الوقت ذاته، عن اختلالات واضحة في منظومة الاستجابة العالمية؛ إذ حظيت الدول المتقدمة، بحكم قدراتها التمويلية وارتباطها بالشركات المنتجة، بأولوية في الحصول على اللقاحات، مقابل تأخر وصولها إلى العديد من الدول النامية والأقل دخلًا. والأهم من ذلك أن الجائحة أظهرت بوضوح ضعف التنسيق الدولي الفاعل، سواء على مستوى القيادات أو المؤسسات العالمية، وغياب نهج متعدد الأطراف ومنسّق بين الحكومات لإدارة حقوق الملكية الفكرية، ونقل التكنولوجيا، والتمويل الدولي، وتوزيع اللقاحات من قبل شركات الأدوية المتعددة الجنسيات، فضلًا عن محدودية إنتاج اللقاحات الهجينة Generic في الدول ذات الدخل المنخفض والمتوسط لاستخدامها محليًا. وقد ترتبت على ذلك تكلفة إنسانية وتنموية كبيرة، تجسدت في غياب العدالة في الوصول إلى اللقاحات[4]. وتؤكد هذه التجربة، جليًا، الحاجة إلى إعادة صياغة مفهوم الحماية الجماعية العالمية على أسس أكثر عدالة وفاعلية، وتطوير الأطر المؤسسية الناظمة لها، بما في ذلك إعادة النظر في نموذج عمل منظمة الصحة العالمية، على نحو يعزز قدرتها على توجيه الاستجابة الدولية وتنسيقها، ويضمن توزيعًا أكثر عدالة للحلول العلاجية في حالات الطوارئ والأزمات العابرة للحدود.
أما المخاطر ذات الطابع غير الصحي، كالتغيرات البيئية المتسارعة والتوترات والمواجهات الجيوسياسية المتنامية، التي تمتد آثارها إلى دول أخرى من دون أن يكون لها دور مباشر فيها، فهي قادرة كذلك على إلحاق أضرار عميقة بالدول والمجتمعات، على نحو قد يفوق قدرة العديد من الدول، ولا سيما النامية منها، على احتواء تداعياتها الاقتصادية والاجتماعية، وحتى السياسية، على نحو منفرد. فالتشابك المتزايد الذي بات يميز النظام العالمي جعل هذه الصدمات أكثر انتشارًا وتعقيدًا وتكلفةً، بما يستدعي أنماطًا أكثر فاعليةً وعدالةً من الاستجابة الجماعية والمؤسسية. وعلى الرغم من وجود مؤسسات دولية متخصصة، وترتيبات واتفاقيات عالمية يُفترض أن تضطلع بأدوار عابرة للحدود في مواجهة مثل هذه المخاطر والصدمات، فإن هذه المنظومة لا تزال غير ناضجة بالقدر الكافي لضمان استجابة جماعية عادلة وفعالة ومستدامة. صحيح أن بعض المؤسسات الدولية بادرت، خلال الأزمات، إلى إطلاق تدخلات طارئة لاحتواء التداعيات العالمية، كما حدث في البرامج التمويلية الاستثنائية التي أطلقها البنك الدولي خلال جائحة كورونا، أو من خلال توسيع هوامش الإنفاق والاقتراض التي أتاحها صندوق النقد الدولي للدول المنخرطة في برامج الإصلاح الاقتصادي والمالي، إلا أن جانبًا من هذه التدخلات ظل ذا طابع استثنائي، واكتنفته اشتراطات وإجراءات حدّت من قدرة العديد من الدول على الاستفادة الفاعلة من النوافذ والبرامج الجديدة. ولم تكن هذه التدخلات كافية لتوفير الحماية المطلوبة أو تمكين الدول من احتواء تداعيات الجائحة على نحو فعال ومقبول، بل ألقت على عاتقها أعباء تمويلية ومديونية طويلة الأمد[5]. والأهم من ذلك أن المؤسسات والصناديق الدولية لا تزال، في بنيتها المؤسسية والسياساتية، متأخرةً في تعاملها مع المخاطر والصدمات العالمية المتنامية بوصفها سمةً بنيويةً ودائمةً في النظام العالمي المعاصر. وتمثّل المبادرات الجديدة، المرتبطة بآليات التأمين والضمان الدولية للحد من المخاطر الخارجة عن سيطرة الدول، بدايةَ مسار نحو بلورة حلول مؤسسية عالمية لمخاطر عابرة للدول والأقاليم، مثل مبادرات الوكالة الدولية لضمان الاستثمار MIGA، ومؤسسة التمويل الدولية IFC، وبعض بنوك التنمية الإقليمية، بما يجعل إدارة المخاطر العالمية وتعزيز القدرة على الصمود جزءًا أساسيًا ومؤسسًا في هيكلية أنظمتها وبرامجها طويلة الأجل. وينطبق ذلك أيضًا على المؤسسات الدولية المعنية بالسلع العامة العالمية Global Public Goods، مثل منظمة الصحة العالمية، وصندوق المناخ الأخضر، وبرنامج الغذاء العالمي.
خامسًا: جاهزية إقليمية أضعف
أصبحت التداعيات الجانبية ذات الطابع الإقليمي سمةً أكثر رسوخًا وتكرارًا في المنظومة العالمية المعاصرة، على نحو قد يفوق، في بعض الأحيان، حدة التأثيرات العالمية الممتدة للمخاطر والتحديات. وفي حين تُعدّ الصراعات الجيوسياسية المصدر الأكثر حدّة لهذه التأثيرات منذ بدايات الألفية الثالثة، فإن ثمة مخاطر أخرى لا تقل أهمية من حيث آثارها الممتدة والمتنامية، وفي مقدمتها المخاطر البيئية، التي، وإن كانت بطبيعتها عالمية وعابرة للحدود، تتركز آثارها بدرجة أكبر في أقاليم جغرافية بعينها دون غيرها. وإذا ما نظرنا إلى الصدمات الجيوسياسية التي شهدها العالم خلال العقود الأخيرة، نجد أنها ألحقت آثارًا وضغوطًا متفاوتة على أقاليم محددة، بحسب طبيعة ارتباطها الاقتصادي والجغرافي بهذه الأزمات. فالحرب الروسية - الأوكرانية، على سبيل المثال، فرضت تداعيات حادة على الدول الأوروبية من بوابة الطاقة، في حين انعكست آثارها على نحو مباشر على دول الشرق الأوسط وأفريقيا من خلال اضطرابات أسواق الحبوب والغذاء وارتفاع أسعارها. وكذلك الحال بالنسبة إلى تداعيات "الربيع العربي"، التي تركّزت آثارها على نحو أساسي في الدول العربية ومنطقة الشرق الأوسط، حيث تحمّلت بعض دولها أعباء استضافة ونزوح ملايين اللاجئين، وما رافق ذلك من ضغوط اقتصادية واجتماعية ومالية كبيرة.
وأفرزت الاضطرابات التي شهدها مضيق باب المندب خلال الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة تأثيرات واسعة في حركة التجارة العالمية وسلاسل التوريد، وأدت إلى ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، ولا سيما بالنسبة إلى دول الشرق الأوسط وعدد من الدول الأوروبية المرتبطة بهذا المسار التجاري الحيوي. وعلى الرغم من أن تداعيات الاضطرابات في الملاحة في مضيق هرمز امتدت إلى الاقتصاد العالمي عمومًا، بحكم أهميته باعتباره ممرًا رئيسًا للطاقة والأسمدة والسلع التجارية، فإن آثارها الأعمق والأكثر مباشرة تركزت في الدول المحيطة به والمجاورة له.
على الرغم من تصاعد هذا النمط من المخاطر الإقليمية وتشابك تداعياتها، فإن الاتفاقيات المشتركة والصناديق والمؤسسات ذات الطابع الإقليمي لم تتمكن، في معظم الحالات، من توفير استجابات عاجلة وفاعلة تمكّن الدول من احتواء آثار هذه الصدمات الجيوسياسية على نحو جماعي ومنسّق. فقد اتسمت الاستجابات السياساتية بتباين كبير بين الدول، واعتمدت بدرجة رئيسة على الإمكانات الذاتية لكل دولة، وحيزها المالي، ومدى جاهزية مؤسساتها، ونهجها في إدارة الأزمات، أكثر من اعتمادها على ترتيبات إقليمية مشتركة قادرة على تقاسم الأعباء وتعزيز القدرة الجماعية على الصمود. وحتى في الدول الأوروبية، التي بدت، إلى حدٍّ ما، موحدةً في مواقفها السياسية المناهضة لروسيا، ودعمها الصريح والمباشر لأوكرانيا، على الرغم من اختلاف طبيعة الدعم الذي قدمته كل دولة وحجمه، فإنها لم تُظهر المستوى ذاته من الوحدة والتضامن في التعامل مع التداعيات الاقتصادية للحرب على اقتصاداتها الوطنية. فقد جاءت تدابير الاحتواء الاقتصادي متباينةً على نحو واضح بين الدول الأوروبية، واعتمدت بدرجة أكبر على الظروف الخاصة بكل دولة، وإمكاناتها المالية، ومدى تعرّضها المباشر لأزمة الطاقة والتضخم واضطرابات سلاسل التوريد. ويضاف إلى ذلك نقاط الضعف المؤسسية التي كشفت عنها الحرب داخل الاتحاد الأوروبي، من تباين المصالح والسياسات بين الدول الأعضاء، وضعف القدرات العسكرية، والاعتماد على الطاقة الروسية[6].
بالنسبة إلى الدول العربية، التي لم تتحرك اقتصاديًا ضمن إطار جماعي وتضامني فاعل لمواجهة التحديات والضغوط التي فرضتها الصراعات والتحولات الجيوسياسية المتعاقبة في المنطقة. فحتى المؤسسات التي أُنشئت لخدمة المصالح العربية المشتركة، مثل صندوق النقد العربي والصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي وغيرهما من المؤسسات الإقليمية، لم تكن تدخلاتها، من حيث الحجم والسرعة والفاعلية، بمستوى حدة الصدمات والارتدادات الجيوسياسية التي تعرّضت لها الدول العربية وتعقيدها خلال العقود الأخيرة.
ربما توجد نماذج ناجحة لإدارة المخاطر ذات الطابع الإقليمي تحمل آفاقًا واعدة يمكن تطوير أطرها والبناء عليها لتأسيس نماذج مماثلة في نطاقها، من بينها برنامج التأمين ضد مخاطر الكوارث في منطقة الكاريبي Caribbean Catastrophe Risk Insurance Facility، الذي صُمم واستُحدث بدعم من مؤسسات دولية ودول مانحة، ويُنظر إليه بوصفه أداةً فاعلةً لتقديم الدعم المالي المرتبط بالكوارث الطبيعية، ولا سيما الزلازل، لبلدان الكاريبي الأقل قدرةً على تعبئة الموارد المالية اللازمة لاحتواء تداعياتها[7]. وكذلك الوكالة الدولية لضمان الاستثمار المتعدد الأطراف Multilateral Investment Guarantee Agency، التي تقدّم حماية للمستثمرين والمقرضين من الخسائر الناجمة عن المخاطر السياسية، مثل عدم قابلية تحويل العملات، وقيود تحويل الأموال، ونزع الملكية، والحروب، والإرهاب، والاضطرابات المدنية، والإخلال بالعقود، وعدم الوفاء بالالتزامات المالية.
سادسًا: أطر وطنية غير مهيَّأة لمواكبة التحولات المتسارعة
في الوقت الذي يتصاعد فيه الجدل حول مدى الجاهزية المؤسسية وكفاءة أطر التنسيق الجماعي والمشترك في مواجهة الصدمات والمخاطر ذات الامتدادين العالمي والإقليمي، تبدو جاهزية غالبية دول العالم، على المستوى الوطني، للتعامل مع ترسّخ هذه المخاطر والتحديات وتناميها بوصفها سمةً ملازمةً للمنظومة العالمية المعاصرة، أكثر هشاشةً وضعفًا. فقد أظهرت الأزمات الجيوسياسية المتلاحقة التي أعقبت جائحة كورونا، وما رافقها من تباين في تداعياتها بين دول العالم واختلاف في آليات التعامل معها، مع ميل التدخلات إلى أن تكون أكثر تحفظًا وأقل كثافة مقارنةً بفترة الجائحة، غيابَ أطر وطنية ومؤسسية قادرة، على نحو كافٍ، على التعامل مع الأزمات والتحديات الجيوسياسية المحتملة مستقبلًا. ولا تتعلق هذه الحاجة بالتنبؤ بأشكال تلك الأزمات وطبيعتها، سواء أكانت جيوسياسية أم بيئية أم مرتبطة بارتفاع حدة الترابط العالمي وعمقه، وهي بطبيعتها محاطة بدرجة عالية من عدم اليقين، بقدر ما تتركز في الاستعداد لتداعياتها المحتملة، ولا سيما على صعيد الأمن الغذائي، والأسعار، والعمالة، والظروف المعيشية.
اليوم، أصبحت غالبية دول العالم مثقلة بأعباء المديونية العامة، التي باتت خدمتها تستنزف حيزًا متزايدًا من الموازنات العامة، ولا سيما في أعقاب تبنّي العديد من الحكومات سياسات مالية توسعية خلال الجائحة. ولم تكن الظروف والديناميات الاقتصادية التي أعقبت الجائحة كافية لاحتواء العجوزات المتنامية، بل أسهمت، على العكس، في تعميقها وتوسيع نطاقها. وحتى الاقتصاد الأميركي، الذي قاد جهود التحفيز خلال الجائحة، يواجه اليوم مستويات مديونية قياسية تثير القلق، وتحدّ من قدرته على تكرار سياسات التوسع المالي بالزخم ذاته. وعلى المستوى العالمي، تضاعفت المديونية العامة أكثر من مرتين خلال السنوات الخمس عشرة الماضية، لتبلغ نحو 102 تريليون دولار أميركي في عام 2023، وبوتيرة نمو كانت الأسرع في الدول النامية، حيث تجاوزت ضعف معدلاتها في الدول المتقدمة، على الرغم من أن حصة هذه الدول لا تزال دون ثلث إجمالي الدين العام العالمي[8].
إلى جانب الاعتبارات المحيطة بالاقتصاد العالمي، وفي مقدمتها الارتفاع المتواصل في أسعار الفائدة، أصبحت خدمة الدين تستنزف الموازنات العامة على نحو مفرط، وتزاحم بنود إنفاقٍ ذات أولوية، بما يؤدي إلى إضعافها والانتقاص من مخصصاتها. وقد أسهم ذلك في تفاقم مستويات عدم المساواة، بما يغذي جانبًا من الاحتقانات الجيوسياسية، ويعزز مشاعر السخط، ويقوض استقرار الأنظمة السياسية. وتشكّل هذه العوامل مجتمعةً بيئة تتسم بانعدام اليقين وتصاعد المخاطر، بما يلقي بظلاله على آفاق الاقتصاد العالمي خلال السنوات والعقود المقبلة.
بناء عليه، تبدو الجاهزية الاقتصادية للحكومات في أدنى مستوياتها، في وقت شهد فيه العالم خلال السنوات الأخيرة سلسلةً من الأزمات والتحديات التي تنذر بمرحلة ممتدة من الاضطرابات السياسية والميدانية. ويتعزز هذا التصور عند استشراف ملامح سباق تسلّح آخذ في التصاعد بين مختلف دول العالم، بما في ذلك دول كانت ترى نفسها، حتى وقت قريب، بمنأى عن احتمالات الانخراط في صراعات عسكرية في المدى المنظور.
سابعًا: نحو أطر قادرة على الاستجابة للمخاطر المتصاعدة
يبدو العالم اليوم أقل جاهزية للتعامل مع حزمة المخاطر والتحديات الجيوسياسية التي تلوح في الأفق خلال السنوات المقبلة. فحتى اللحظة، لا تبدو المنظومة الدولية قادرة، في الأساس، على بلورة تصورات أو تدابير واضحة وفعّالة لمواجهة تحولات هيكلية معقدة، في مقدّمتها احتمالات اتساع رقعة الحروب واستمرارها، والتحديات المناخية، والمخاطر المتسارعة المرتبطة بتطور تقنيات الذكاء الاصطناعي. ولو توسّعنا في مقارنة قدرات الحكومات على إدارة المخاطر المستقبلية بما كانت عليه في مطلع الألفية، أو حتى في بداية العقد الحالي، لتبيّن بوضوح حجم الوهن الذي أصاب المنظومتين العالمية والوطنية، ومدى تراجع قدرتهما على الاستجابة الفاعلة لتحديات متزايدة التعقيد والتشابك.
ربما تكمن الحاجة الأكثر إلحاحًا اليوم في إجراء تحديثات جوهرية وعاجلة على الأطر التشريعية والتنظيمية الناظمة لعمل المؤسسات والاتفاقيات الدولية والإقليمية، بالتوازي مع تحديث الأطر التشريعية والأدوات التنفيذية الوطنية، بما يرسّخ التعامل مع المخاطر والتحديات الملازمة للمنظومة العالمية المعاصرة بوصفها معطًى بنيويًا وحتميًا، لا مجرد أحداث استثنائية عابرة. وبطبيعة الحال، يستوجب ذلك استحداث سياسات وترتيبات تنظيمية وتنفيذية أكثر مرونةً واستباقيةً، تمكّن هذه المؤسسات والأطر من الاستجابة السريعة والفاعلة لسلسلة التحديات والمخاطر التي قد تواجه العالم، أو التكتلات الإقليمية والتحالفات السياسية، أو حتى دولًا بعينها بدرجات متفاوتة.
وتتمثل المسألة الأهم التي ينبغي مراعاتها هنا في أن تُصمَّم الترتيبات والسياسات التي يمكن تبنّيها وتطبيقها على المستويات الثلاثة: العالمي، والإقليمي، والوطني، بما يضمن تكاملها وترابطها على نحو متوازن؛ إذ تظل فاعلية أيّ منها على أحد هذه المستويات مرهونة، إلى حدّ بعيد، بتبلورها ونضوجها على المستويات الأخرى. ومن شأن ذلك، بطبيعة الحال، أن يستدعي تبلور منظومة عالمية وسياساتية جديدة، يتمحور جوهرها حول الحد من حالة عدم اليقين غير المسبوقة التي يشهدها العالم، وإرساء أسس أكثر قدرةً على احتواء تداعيات المخاطر المتنامية على مختلف الدول والشعوب.
بناء عليه، فإن أيّ مؤسسة أو صندوق أو اتفاقية، على اختلاف نطاقاتها الدولية أو الإقليمية أو الوطنية، يُفترض أن تتضمن ضمن هيكليتها المؤسسية إجراءات وتدابير واضحة ومحددة، تنظم آليات التعامل مع المخاطر عند تحققها، وتحدد الأدوار والمسؤوليات المناطة بها ضمن نطاق اختصاصها، وآليات التكامل والتنسيق بينها وبين غيرها من المؤسسات والأطر ذات الصلة.

























