م.صلاح طه عبيدات يكتب: حين تصبح الحقيقة سؤالًا مفتوحًا
نبأ الأردن -
في لحظات الأزمات، لا يتصدّع الواقع وحده، بل تتصدّع معه اللغة، ويهتزّ ميزان الحقيقة. هناك، حيث يتكثف الخوف وتضيق مساحات اليقين، تولد الإشاعة لا كخطأ عابر، بل كحاجة إنسانية ملحّة لملء فراغ المعرفة. فالعقل، حين يُحاصر بالغموض، لا يحتمل الصمت طويلًا؛ فيصنع رواياته الخاصة، أو يستعيرها من أول صوت مرتفع، ولو كان زائفًا.
الإشاعة، في هذا السياق، ليست مجرد خبر كاذب، بل مرآة لقلق جمعي يبحث عن معنى. إنها تعبير عن هشاشة اللحظة، وعن ذلك التوتر الدائم بين ما نعرفه وما نخشى أن نعرفه. ولهذا، فهي تنتشر بسرعة لا لأن الناس ساذجون، بل لأنهم قلقون.
لكن الأخطر من الإشاعة ذاتها، هو ما يمكن تسميته بـ"هندسة المعنى" عبر حرب المصطلحات. فالكلمات، في زمن الأزمات، لا تُستخدم لوصف الواقع، بل لإعادة تشكيله. بين "أزمة” و"كارثة”، بين "إجراء” و"إخفاق”، تنزلق الحقيقة من معناها الأصلي إلى معنى مُصاغ بعناية. هنا، لا تكون اللغة أداة تواصل، بل أداة سلطة؛ تُعيد ترتيب المشهد، وتُخفي ما يجب أن يُرى، وتُبرز ما يُراد له أن يُصدّق.
إنها معركة صامتة، لا تُخاض بالسلاح، بل بالدلالة. كل مصطلح هو موقف، وكل وصف هو انحياز، وكل عنوان هو محاولة لإقناع القارئ بأن يرى العالم من زاوية واحدة. وهكذا، تتحول المفردات إلى خرائط خفية تقود الوعي الجمعي نحو استنتاجات محددة سلفًا.
في قلب هذه الدوامة، يقف الإعلام، لا كمجرد ناقل للحدث، بل كصانع للسردية. الإعلام في الأزمات ليس مرآة فقط، بل هو أيضًا عدسة: يمكنه أن يوسّع زاوية الرؤية أو يضيّقها، أن يضيء التفاصيل أو يغرقها في الظل. إنه يمارس فعل الاختيار باستمرار: ماذا يُقال؟ كيف يُقال؟ ومتى يُقال؟
وهنا تتجلى المفارقة: الإعلام الذي يُفترض أن يكون حارس الحقيقة، قد يتحول – تحت ضغط السبق أو تأثير الأجندات – إلى ممر تعبر منه الإشاعات، أو إلى منصة تُعاد فيها صياغة المصطلحات بما يخدم رواية معينة. وعند هذه النقطة، لا يعود الخطر في غياب الحقيقة، بل في وفرتها المشوشة، حيث تتجاور الحقائق مع أنصافها، والوقائع مع تأويلاتها، حتى يصبح التمييز بينها مهمة شاقة.
غير أن الأزمات، رغم قسوتها، تمنح المجتمعات فرصة نادرة: أن تعيد النظر في علاقتها بالمعلومة، وأن تدرك أن الوعي ليس ترفًا، بل ضرورة وجودية. فالمجتمع الذي يمتلك حسًا نقديًا، ويُحسن قراءة اللغة قبل تصديقها، يكون أقل عرضة للانخداع، وأكثر قدرة على الصمود.
ليست المعركة الحقيقية في زمن الأزمات هي ما يحدث فقط، بل كيف نرويه، وكيف نفهمه، وكيف نمنحه معنى. بين الإشاعة والمصطلح والإعلام، تتشكل خرائط الوعي، ويتحدد موقع الحقيقة: هل تبقى في مركز المشهد، أم تتوارى في هوامشه؟


























