د علي الطراونة يكتب: قراءة في الهدنة بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران: بين التهدئة المؤقتة واحتمالات التصعيد

د علي الطراونة يكتب: قراءة في الهدنة بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران: بين التهدئة المؤقتة واحتمالات التصعيد
نبأ الأردن -
تشكل أي هدنة تجمع بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران حدثًا لافتًا في سياق إقليمي يتسم بتوترات مزمنة وتشابكات معقدة. فالعلاقة بين هذه الأطراف لم تكن يومًا مستقرة، بل ظلت محكومة بصراعات مباشرة وغير مباشرة، ما يجعل من أي اتفاق تهدئة خطوة تستحق القراءة المتأنية، ليس فقط من حيث دوافعها، بل أيضًا من حيث ما قد تؤول إليه مستقبلًا.

في جوهرها، تبدو هذه الهدنة أقرب إلى تهدئة تكتيكية منها إلى حل جذري للصراع. فهي لا تعالج القضايا الأساسية التي تغذي التوتر، وعلى رأسها البرنامج النووي الإيراني، ومخاوف إسرائيل الأمنية، ودور إيران الإقليمي عبر حلفائها في عدة ساحات. لذلك، يمكن فهمها كإجراء مؤقت يهدف إلى احتواء التصعيد وشراء الوقت، بدلًا من كونه تسوية نهائية.

من ناحية أخرى، تعكس الهدنة تقاطع مصالح مرحلي بين الأطراف الثلاثة. فالولايات المتحدة تسعى إلى تجنب الانخراط في صراع عسكري جديد في الشرق الأوسط، خاصة في ظل أولويات دولية أخرى. أما إسرائيل، فترغب في الحفاظ على معادلة الردع دون الانزلاق إلى حرب مفتوحة قد تكون مكلفة وطويلة. في المقابل، تدرك إيران أن أي مواجهة مباشرة واسعة قد تحمل تداعيات اقتصادية وأمنية كبيرة، ما يدفعها إلى القبول بتهدئة مؤقتة دون التخلي عن أوراق قوتها.

إلى جانب ذلك، تحمل هذه الهدنة أبعادًا سياسية وإعلامية واضحة، حيث يسعى كل طرف إلى تقديمها لجمهوره الداخلي والخارجي بما يخدم روايته. فقد تُطرح في إيران كدليل على الصمود، وفي إسرائيل كنجاح لسياسة الردع، بينما تقدمها الولايات المتحدة كإنجاز دبلوماسي يحد من التوتر في منطقة حساسة.

ولا يمكن فصل هذه التهدئة عن سياق أوسع من الملفات الإقليمية المعقدة، مثل الوضع في غزة أو جنوب لبنان، إضافة إلى مسار المفاوضات غير المباشرة حول البرنامج النووي الإيراني. فغالبًا ما تكون مثل هذه الهدن جزءًا من ترتيبات أكبر، أو على الأقل مرتبطة بها بشكل غير مباشر.

مع أن الهدنة قد تخفف من حدة التوتر في المدى القصير، فإن مستقبلها يبقى مفتوحًا على عدة احتمالات:

1. استمرار التهدئة المشروطة
قد تنجح الأطراف في الحفاظ على مستوى منخفض من التوتر، خاصة إذا استمرت المصالح المشتركة في تجنب التصعيد. في هذا السيناريو، نشهد هدوءًا نسبيًا مع استمرار الحذر والتوتر الكامن.

2. انهيار الهدنة وعودة التصعيد
يبقى هذا الاحتمال قائمًا بقوة، إذ قد يؤدي أي حادث ميداني أو هجوم غير محسوب إلى إشعال التوتر مجددًا. في ظل هشاشة الثقة بين الأطراف، يمكن لشرارة صغيرة أن تعيد الأمور إلى مربع المواجهة.

3. انتقال إلى مفاوضات أوسع
في حال استُثمرت الهدنة سياسيًا، قد تمهد الطريق لمحادثات أوسع، خصوصًا حول الملف النووي أو الترتيبات الأمنية في المنطقة. هذا السيناريو يتطلب إرادة سياسية قوية وتنازلات متبادلة، وهو الأقل احتمالًا لكنه ليس مستحيلًا.

4. تصعيد غير مباشر عبر الحلفاء
حتى مع استمرار الهدنة، قد تستمر المواجهة بشكل غير مباشر عبر أطراف أخرى في المنطقة، ما يعني أن الهدوء قد يكون ظاهريًا فقط، بينما يستمر الصراع بأشكال مختلفة.

في المحصلة، تعكس الهدنة بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران حالة من التوازن الحذر، حيث تتقاطع الرغبة في تجنب التصعيد مع استمرار أسباب الصراع. لذلك، فإن هذه التهدئة لا تمثل نهاية للأزمة، بل محطة ضمن مسار طويل ومعقد، يبقى مفتوحًا على احتمالات متعددة بين الاستقرار المؤقت والانفجار المفاجئ.

تحياتي 

تابعوا نبأ الأردن على Google News
تصميم و تطوير Vertex Web Solutions