وائل منسي يكتب: انتخابات التجديد النصفي الأمريكية 2026: هزيمة ترامب وحدود التحول في السياسة الأمريكية
نبأ الأردن -
لم تكن انتخابات التجديد النصفي الأمريكية، التي جرت في 3 نوفمبر 2026، مجرد منافسة على مقاعد الكونغرس، بل شكلت استفتاءً سياسياً على أداء الرئيس دونالد ترامب وإدارته، ورسالة اعتراض من قطاعات واسعة من الناخبين على اتجاهات السياسة الداخلية والخارجية.
فبحسب الإسقاطات والتغطيات المنشورة في 4 نوفمبر، استعاد الديمقراطيون السيطرة على مجلسي الشيوخ والنواب، في تحول يعكس تراجعاً انتخابياً واضحاً وهزة قوية للجمهوريين وعلى ترامب.
لكن الأهم من النتيجة الرقمية هو ما تعنيه سياسياً: دخول الولايات المتحدة مرحلة من الحكم المنقسم، برئيس جمهوري يواجه كونغرس تهيمن عليه المعارضة الديمقراطية.
وهذا يفتح الباب أمام رقابة وتحقيقات أشد، ومساومات أكثر تعقيداً حول التشريعات والموازنات والتعيينات والإنفاق العسكري، لكنه لا يعني إسقاط شرعية الرئيس أو انتزاع صلاحياته التنفيذية، ولا يمنح الديمقراطيين تلقائياً تفويضاً لفرض برنامجهم السياسي.
اقتصادياً واجتماعياً، كانت كلفة المعيشة أحد أبرز مفاتيح التصويت.
فالتضخم وتكاليف السكن والصحة والطاقة والغذاء، وتراجع القدرة الشرائية للأسر، عمّقت فجوة الثقة بين قطاعات من الناخبين والإدارة.
كما عكست النتائج تململاً لدى شرائح من الشباب واللاتينيين، ومخاوف متزايدة من اتساع التفاوت الاجتماعي وضعف العدالة الاقتصادية. وبالتالي، لا ينبغي قراءة الفوز الديمقراطي باعتباره انتصاراً أيديولوجياً خالصاً، بقدر ما هو محصلة تداخل عوامل اقتصادية واجتماعية وسياسية، من بينها الاعتراض على إدارة الحروب واتساع صلاحيات السلطة التنفيذية.
خارجياً، ستكون تداعيات النتيجة أكثر تعقيداً من مجرد تبدل موازين القوى داخل الكونغرس.
ففي ملف إيران، قد تتزايد الضغوط الرقابية على قرارات الحرب والإنفاق العسكري، بما يفتح هامشاً للمفاوضات، لكنه لا يستبعد التصعيد أو العمليات العسكرية المحدودة. وفي أوكرانيا، قد يجد دعم كييف والعقوبات على موسكو مساحة سياسية وتشريعية أوسع، من دون أن يعني ذلك تغييراً فورياً في خيارات ترامب التفاوضية.
أما في العلاقة مع الصين وتايوان، فمن المتوقع أن يتصاعد النقاش حول الردع والتكنولوجيا وسلاسل الإمداد، مع استمرار التنافس الاستراتيجي بين القوتين.
و ملف إسرائيل وغزة، قد يزداد الضغط الديمقراطي باتجاه مراجعة المساعدات العسكرية، وتشديد الرقابة على استخدام السلاح، وربط الدعم الأمريكي باعتبارات القانون الدولي وحقوق الإنسان.
لكن تحويل هذه المواقف إلى سياسة ملزمة سيظل رهناً بتوازنات الكونغرس، وموقف البيت الأبيض، وقدرة الأطراف على تجاوز الفيتو الرئاسي.
كما أن صعود تمثيل شخصيات عربية ومسلمة، ومن بينها فوز عبد السيد بمقعد في مجلس الشيوخ عن ولاية ميشيغان، يحمل دلالة على اتساع الحضور السياسي لهذه المكونات، لكنه لا يعني نشوء كتلة موحدة أو تحولاً تلقائياً في السياسة الأمريكية تجاه المنطقة.
عربياً، لا تعني عودة الديمقراطيين إلى قيادة الكونغرس أن واشنطن أصبحت أكثر قرباً من المصالح العربية، ولا أن ملفات فلسطين وإيران وسوريا ولبنان ستشهد تحولاً مضموناً.
ما قد يتغير هو مستوى الرقابة على الإدارة، وكلفة القرارات العسكرية، وطبيعة النقاش حول المساعدات والتحالفات.
وستظل المصالح الأمريكية وحسابات الأمن والطاقة والنفوذ محددات رئيسية للسياسة الخارجية، بصرف النظر عن هوية الحزب المسيطر على الكونغرس.
السيناريو الأكثر ترجيحاً خلال المرحلة المقبلة هو تصاعد التجاذب بين البيت الأبيض والكونغرس، مع صفقات ومساومات في بعض الملفات، واستمرار التنافس في ملفات أخرى. فالرئيس يحتفظ بسلطاته التنفيذية وحق النقض، بينما يمتلك الكونغرس أدوات الرقابة والتشريع والتمويل؛ ومن هنا فإن النتيجة الأرجح ليست انقلاباً فورياً في السياسة الأمريكية، بل ارتفاع كلفة القرار السياسي وتراجع القدرة على تمرير أجندة واسعة دون توافق مؤسسي.
أما السؤال الذي يستحق أن نتوقف عنده عربياً وأردنياً، فهو: ماذا يعني لنا فوز الديمقراطيين، ولماذا يفرح بعض العرب والأردنيين بهذا الفوز وكأنه انتصار مباشر لقضاياهم؟ هل سينعكس ذلك فعلاً على حياتهم الاقتصادية والاجتماعية والسياسية؟
الحقيقة أن تغيير الأغلبية في الكونغرس لا يخفض أسعار الغذاء والطاقة في الأردن، ولا يوفر فرص العمل، ولا يحسن الأجور أو الخدمات العامة، ولا يضمن وقف الحروب أو إنهاء معاناة الفلسطينيين.
قد يفتح نافذة لمراجعة بعض السياسات الأمريكية، لكنه لا يصنع وحده تحولاً في واقعنا.
فالمعيار الحقيقي ليس انتصار حزب أمريكي على آخر، بل قدرة مجتمعاتنا ودولنا على بناء اقتصادات منتجة، وتعزيز العدالة الاجتماعية، وتوسيع المشاركة السياسية، وامتلاك أدوات التأثير في القرارات الدولية.
























