د علي الطراونه يكتب: لسنا بحاجة إلى وزراء يجيدون إدارة المكاتب… بل إلى حكومة تصنع اقتصاداً!

د علي الطراونه يكتب:  لسنا بحاجة إلى وزراء يجيدون إدارة المكاتب… بل إلى حكومة تصنع اقتصاداً!
نبأ الأردن -
لسنا بحاجة إلى مزيد من التصريحات التي تتحدث عن محاربة البطالة، ولا إلى خطط اقتصادية تُكتب على الورق ثم تبقى حبيسة الأدراج، بل نحن بحاجة إلى قرارات حكومية جريئة، ورؤية وطنية شاملة، وإدارة تمتلك القدرة على تحويل الإمكانات الأردنية إلى فرص عمل حقيقية، ومشاريع إنتاجية تنعكس آثارها على حياة المواطنين.

فكيف يمكن أن نتحدث عن محاربة البطالة وتحسين الأوضاع الاقتصادية في الأردن، ونحن لا نستثمر بالشكل المطلوب في قطاع السياحة، ولا نعمل على استقطاب استثمارات نوعية قادرة على تحريك عجلة الاقتصاد وخلق فرص عمل للشباب؟

الأردن يمتلك مقومات سياحية لا تتوافر في كثير من دول المنطقة؛ فلدينا البتراء، والبحر الميت، ووادي رم، وجرش، وعجلون، والمغطس، وأم قيس، والكثير من المواقع التاريخية والطبيعية والدينية التي يمكن أن تشكل رافعة حقيقية للاقتصاد الوطني.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه: أين التنشيط السياحي الحقيقي؟ وأين البرامج التسويقية التي تضع الأردن على خارطة السياحة العالمية بصورة أكثر فاعلية؟ وأين الاستثمارات السياحية التي يمكن أن توفر آلاف فرص العمل في الفنادق والمطاعم والنقل والخدمات والحرف والصناعات التقليدية؟

إن السياحة ليست مجرد قطاع ترفيهي، بل هي اقتصاد متكامل، ومصدر دخل وطني، وبوابة لتشغيل الشباب وتحريك الأسواق المحلية، خصوصاً في المحافظات التي تمتلك مقومات سياحية كبيرة ولا تزال بحاجة إلى استثمارات وبنية تحتية وخدمات تسويقية حقيقية.

 و هنا يبرز سؤال سياسي مهم: هل المرحلة التي يمر بها الأردن تحتاج إلى حكومة تكنوقراط تقليدية، أم إلى حكومة سياسية تمتلك رؤية وبرنامجاً واضحاً وقدرة على اتخاذ القرار وتحمل المسؤولية؟

نحن بحاجة إلى رئيس وزراء سياسي، يمتلك الرؤية والقدرة على قيادة فريقه، ويعرف كيف يتعامل مع التحديات الاقتصادية والاجتماعية، ويكون قادراً على ترجمة التوجيهات الملكية إلى برامج تنفيذية ومشاريع ملموسة يشعر المواطن بنتائجها.

لسنا ضد الخبرات الفنية والتخصصية، بل نحن بأمسّ الحاجة إليها، ولكن المطلوب أن يقود الوزراء السياسيون ملفاتهم برؤية ومسؤولية، وأن يستند كل وزير إلى فريق من الخبراء والمتخصصين في مجال وزارته، بعيداً عن عقلية الإدارة الروتينية والانتظار خلف المكاتب.

فالوزارة ليست وظيفة إدارية، ورئاسة الحكومة ليست منصباً بروتوكولياً، بل مسؤولية وطنية تتطلب المبادرة والإنجاز والقدرة على مواجهة التحديات.

 ومن من غير المقبول أن تبقى التنمية متركزة في العاصمة عمّان، بينما تنتظر المحافظات الأخرى نصيبها من المشاريع والاستثمارات وفرص العمل.

فالأردن ليس عمّان وحدها، والأردن يمتد من إربد شمالاً إلى العقبة جنوباً، ومن الأغوار إلى البادية والقرى والبلدات.

كل محافظة تمتلك ميزة اقتصادية يمكن البناء عليها؛ فهناك محافظات تمتلك مقومات سياحية، وأخرى زراعية، وأخرى صناعية، وأخرى تمتلك إمكانات لوجستية واستثمارية واعدة.

لماذا لا تكون هناك خريطة تنموية مستقلة لكل محافظة، تحدد احتياجاتها وميزاتها التنافسية والمشاريع القابلة للتنفيذ فيها؟

لماذا لا نعمل على إنشاء مناطق استثمارية وإنتاجية في المحافظات، وتقديم حوافز حقيقية للمستثمرين، وربط الجامعات ومؤسسات التدريب باحتياجات سوق العمل في كل منطقة؟

إن توزيع التنمية لا يعني توزيع المشاريع بصورة شكلية، بل يعني تحقيق العدالة في الفرص، وإيجاد بيئة اقتصادية تجعل الشاب قادراً على العمل والإنتاج في محافظته، بدلاً من أن يضطر إلى الهجرة نحو العاصمة بحثاً عن فرصة عمل.

و لا يمكن أن نقضي على البطالة من خلال التوظيف الحكومي وحده، ولا من خلال البرامج المؤقتة التي تنتهي بانتهاء موازناتها.

الحل يكمن في تحفيز القطاع الخاص، وجذب الاستثمارات المحلية والعربية والأجنبية، وتبسيط الإجراءات، وتقليل البيروقراطية، وتوفير بيئة مستقرة تشجع المستثمر على ضخ أمواله في الأردن.

نحتاج إلى حكومة تسأل نفسها كل يوم: كم مشروعاً استثمارياً استقطبنا؟ وكم فرصة عمل وفرنا؟ وكم مصنعاً أو منشأة سياحية أو إنتاجية افتتحنا؟ وما الأثر الحقيقي لهذه المشاريع على دخل المواطن؟

كما نحتاج إلى شراكة حقيقية بين الحكومة والقطاع الخاص، وإلى دعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة، وتمكين الشباب من تأسيس مشاريعهم، وربط التعليم والتدريب المهني باحتياجات الاقتصاد الوطني .

يمكن أن تتحول عجلون إلى مركز سياحي واستثماري متكامل، وأن تكون البتراء ووادي رم والعقبة محركات اقتصادية وسياحية عالمية، وأن تتوسع المشاريع الصناعية والزراعية في المحافظات التي تمتلك مقوماتها، وأن تستفيد مناطق الأغوار والبادية من مشاريع إنتاجية تتناسب مع طبيعتها وإمكاناتها.

كما يمكن تطوير السياحة العلاجية والاستشفائية في البحر الميت والمناطق الأخرى، وتطوير السياحة الدينية والتاريخية والبيئية، بحيث لا تكون المواسم السياحية مجرد فترات نشاط محدودة، بل نشاطاً اقتصادياً مستداماً طوال العام.

هذه ليست أحلاماً، بل فرص تحتاج إلى تخطيط جاد، وقرار سياسي، وإدارة تنفيذية قادرة على الإنجاز.

المواطن الأردني لا يبحث عن خطاب اقتصادي جميل بقدر ما يبحث عن فرصة عمل كريمة، ودخل يحفظ له كرامته، وخدمات أفضل، ومستقبل أكثر استقراراً لأبنائه.

ولذلك يجب أن تكون الأولوية الحكومية واضحة: محاربة البطالة، وتحسين مستوى المعيشة، وتحفيز الاستثمار، وتوزيع مكتسبات التنمية بعدالة، ومحاسبة كل مسؤول لا يحقق الأهداف المطلوبة منه.

إن المرحلة لا تحتمل إدارة الملفات بعقلية تسيير الأعمال، بل تحتاج إلى حكومة تمتلك الجرأة في اتخاذ القرار، والقدرة على تحويل الخطط إلى واقع.

وأخيراً… الأردن أكبر من أن تختصره العاصمة، وأغنى من أن تبقى فرصه معطلة.

نحن لا نطالب بالمستحيل، ولا ننتقد من أجل الانتقاد، بل نطرح أسئلة وطنية مشروعة، ونؤمن أن الأردن يمتلك من الإمكانات والموارد البشرية والمواقع الاستراتيجية والمقومات السياحية ما يؤهله لتحقيق نقلة اقتصادية حقيقية.

لكن ذلك يحتاج إلى حكومة تعرف ماذا تريد، ورئيس وزراء يقود ولا يكتفي بالإدارة، ووزراء يمتلكون الخبرة والقدرة على الإنجاز، وخطة تنموية تصل إلى كل محافظة وقرية وبلدة.

فليس من العدالة أن نطلب من شباب المحافظات الصبر، بينما تبقى فرص الاستثمار بعيدة عن مناطقهم، وليس من المنطق أن نتحدث عن محاربة البطالة دون أن نفتح أبواب السياحة والإنتاج والاستثمار.

السؤال الذي يجب أن نطرحه اليوم بكل وضوح: إذا لم نستثمر في سياحتنا، وإذا لم نجذب الاستثمارات، وإذا لم نوزع التنمية على جميع محافظات المملكة، فكيف نريد أن نحارب البطالة وننهض بالاقتصاد الأردني؟

الأردن يستحق حكومة تصنع الفرص، لا حكومة تنتظرها. ويستحق قيادة تنفيذية تمتلك القرار، لا إدارة تكتفي بتدوير الملفات.

فالأوطان لا تنهض بالشعارات… بل بالإرادة والقرار والإنجاز.
تابعوا نبأ الأردن على Google News
تصميم و تطوير Vertex Web Solutions