حسني فايز الصفدي يكتب: خطاب العرش.. عهد القيادة، ووفاء الوطن، وكرامة الإنسان

حسني فايز الصفدي يكتب:  خطاب العرش.. عهد القيادة، ووفاء الوطن، وكرامة الإنسان
نبأ الأردن -
جاء خطاب العرش السامي الذي ألقاه جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، في افتتاح الدورة العادية الثالثة لمجلس الأمة العشرين، حاملاً رسائل وطنية وسياسية عميقة، تؤكد أن الأردن، رغم ما يحيط به من تحديات وعواصف إقليمية، يمضي بثبات مستنداً إلى تاريخ راسخ، وقيادة تدرك طبيعة المرحلة، وشعب أثبت أن انتماءه لوطنه موقف ومسؤولية.

لم يكن استهلال جلالة الملك خطابه باستحضار شهداء الكرك تفصيلاً عابراً، بل حمل رسالة وطنية عميقة؛ فاستذكار الشهداء تأكيد على أن دماء الأردنيين عهد في أعناق أبناء الوطن، وأن الإرهاب لن ينال من دولة تتجذر وحدتها في وجدان شعبها. لقد أراد جلالته أن يؤكد أن الأردن لا ينسى تضحيات رجاله، ولا يسمح بأن تتحول الجريمة إلى شرخ في نسيجه الوطني، وأن وحدة الأردنيين هي الحصن الذي تتحطم عليه كل محاولات المساس بأمن البلاد واستقرارها.

ومن هذه الرسالة تتجلى مكانة القوات المسلحة الأردنية – الجيش العربي، والأجهزة الأمنية، باعتبارها سياج الوطن المنيع وحصنه الذي يحمي سيادته ويصون أمنه. فالأردن الذي يستند إلى تضحيات جنوده واحترافية أجهزته الأمنية، يستند كذلك إلى وعي شعبه وتماسكه، وهي معادلة جعلت الدولة قادرة على مواجهة التحديات بثبات، مهما اشتدت الأزمات من حولها.

وعلى امتداد الخطاب، حضرت فلسطين بوصفها قضية ثابتة في الوجدان والسياسة الأردنية. فالتأكيد على أن الأمن والاستقرار في المنطقة لن يتحققا دون تلبية حق الشعب الفلسطيني في أرضه، يجدد الموقف الأردني الراسخ تجاه القضية الفلسطينية، ويرفض اختزال الصراع في تداعياته الإنسانية والأمنية دون معالجة جذوره. كما أن التحذير من الأطماع التوسعية الإسرائيلية والانتهاكات في غزة والضفة الغربية والقدس يؤكد أن الأردن سيبقى متمسكاً بثوابته العربية، مدافعاً عن حقوق الشعب الفلسطيني، وحاضراً في الدفاع عن قضايا أمته ومصالحه الوطنية.

أما الرسائل الموجهة إلى مجلس الأمة، فقد تجاوزت حدود التذكير بالاختصاصات الدستورية إلى تحديد جوهر المسؤولية الوطنية. فحين يؤكد جلالة الملك أن المجلس ركن أساس في الحياة السياسية، وأن عليه أن يكون صوتاً للوطن وحارساً للمصلحة العامة ورقيباً على الأداء الحكومي، فإنه يضع أمام المؤسسة النيابية مسؤولية الارتقاء إلى مستوى ثقة الأردنيين. ولعل تأكيده أن المواطنين لا ينظرون إلى القوانين الصادرة عن القبة فحسب، بل إلى ما يصدر عنها من سلوك وخطاب، يحمل دلالة بالغة؛ فمكانة المجلس لا تُقاس بما ينجزه تشريعياً فقط، بل أيضاً بقدرته على احترام الناس، وإدارة الاختلاف بمسؤولية، وتقديم المصلحة الوطنية على الحسابات الضيقة.

وفي الشأن الاقتصادي، أعاد جلالة الملك التأكيد على أن مصلحة الأردني يجب أن تكون في صلب كل قرار، وأن التنمية الحقيقية هي التي يلمس المواطن أثرها في معيشته وفرصه وتعليمه وعلاجه ومستقبل أبنائه. وهي رسالة تستدعي الانتقال من إعلان الخطط والبرامج إلى تنفيذها، ومن الوعود إلى الإنجاز، بما ينعكس على حياة المواطنين في مختلف المحافظات، ويعزز فرص العمل والاستثمار والنمو.

كما جاء التشديد الملكي على المياه بوصفها أولوية وطنية لا تقبل المساومة، ليؤكد أن الأمن المائي لم يعد ملفاً خدمياً فحسب، بل قضية سيادة وأمن وطني واستدامة. فتكرار جلالته عبارة «المياه، المياه، المياه» يحمل دلالة واضحة على حجم التحدي، وضرورة وضع خطط استباقية تحمي موارد الوطن وتصون حقوق الأجيال القادمة.

وفي رسالة لا تحتمل التأويل، أكد جلالة الملك أنه لا مكان لمن يتعامل مع الوظيفة العامة باعتبارها امتيازاً يرفعه عن خدمة الناس، وأنه لا حصانة لمن يسيء استخدام منصبه، وأن القانون لا يعرف اسماً ولا منصباً ولا نفوذاً. وهي قاعدة تؤكد أن هيبة الدولة تبدأ من عدالة مؤسساتها، وأن ثقة المواطن تُبنى حين يرى القانون مطبقاً على الجميع دون استثناء، والمساءلة حاضرة، والوظيفة العامة أمانة لخدمة الوطن والمواطن.

ولم تغب عن الخطاب العلاقة بين الدولة ومواطنيها، حين أكد جلالة الملك أن صدر الوطن رحب أمام كل رأي مخلص ومسؤول، وأن التداول بالشأن العام حق دستوري. وهي رسالة تؤسس لمعادلة وطنية تجمع بين حرية التعبير والمسؤولية، وتؤكد أن الاختلاف لا ينتقص من الانتماء، وأن حب الأردن يتجلى في كرامة الكلمة وأدب الاختلاف والحرص على مصلحة الوطن.

إن القراءة المتكاملة لخطاب العرش تكشف أنه لم يقتصر على تحديد أولويات المرحلة، بل رسم ملامح معادلة وطنية متكاملة، قوامها أمن الدولة، وثبات مواقفها، وعدالة القانون، وفاعلية المؤسسات، وكرامة المواطن. وهي معادلة تضع الحكومة ومجلس الأمة أمام مسؤولية الانتقال من التوجيه إلى التنفيذ، ومن الالتزام المعلن إلى الإنجاز الملموس.

لقد وضع جلالة الملك ملامح الطريق، وأكد أن الأردن لا يستمد قوته من موقعه الجغرافي أو تاريخه وحدهما، بل من تماسك شعبه، وصلابة مؤسساته، وثبات قيادته على المبادئ. وبقي أن تترجم مؤسسات الدولة مضامين الخطاب إلى واقع يلمسه الأردنيون في حياتهم اليومية.

فالأوطان لا تُصان بالكلمات وحدها، بل بصدق الانتماء، ونزاهة المسؤولية، وعدالة القانون، والعمل المخلص. وسيبقى الأردن، بقيادته الهاشمية وشعبه الوفي ومؤسساته الوطنية، وطناً يحفظ العهد، ويصون الكرامة، ويمضي بثقة وثبات نحو المستقبل.
تابعوا نبأ الأردن على Google News
تصميم و تطوير Vertex Web Solutions